1 // 36 Cover
2 // 36
4 // 36
6 // 36
السيرة الذاتية
للمعلم كمال جنبلاط
بطاقة الهوية الشخصية:

الاسم : كمال جنبلاط
اسم الاب: فؤاد جنبلاط
اسم الأم : نظيرة جنبلاط
مكان الولادة: المختارة
تاريخ الولادة: 6 كانون الأول 1917
تاريخ الاستشهاد: 16 آذار 1977
ينتسب الى عائلة جنبلاط التي لعبت ولا زالت تلعب دوراً بارزاً في تاريخ لبنان.
(شجرة العائلة الجنبلاطية)

التنشئة والدراسة والشهادات:

- في مرحلة الطفولة أشرفت على تنشئته، الى جانب والدته، السيدة ماري غريّب.
- تابع دراسته في معهد عينطوره للآباء العازريين بين سنتي 1926 و 1937، ونال في نهايتها شهادة البكالوريا بقسميها اللبنانية والفرنسية.
...للمزيد
7 // 36
إنسان كمال جنبلاط
احتلّ الإنسان في فكر كمال جنبلاط ونضاله الغاية الأسمى لأي عمل بشري في الحقل الزمني. وهو نظر لهذا الإنسان ككائن اجتماعي، فهو منذ وجد يعيش ضمن جماعات صغيرة مستقلة، وخلاصه لا يتّم إلاّ في نطاق المجتمع، كما أنه لا يستطيع أن يتهرّب من رباط الزمان (التاريخ) والمكان (الجغرافيا)، وأضاف إليهما بعداً ثالثاً يتخطى الزمان والمكان ويستكملهما هو بُعد الروح المقياس الحقيقي للأعماق والشرط الملازم لكل معرفة. ويرى كمال جنبلاط أنه لا يمكن الفصل بين المستويين الإنساني والاجتماعي. وقد جاء في ميثاق الحزب التقدمي الاشتراكي الذي أسسه كمال جنبلاط: "فالغاية الوحيدة لكل عمل ومؤسسة بشريين هي تفتح كامل ومتناسق لمقدور الفرد... وإن المجتمع في كل مؤسساته ليس في ذاته غاية، بل وسيلة الى بناء الإنسان" (الميثاق صفحة 16 طبعة 1976).

وعلى ضوء هذا الإدراك شدّد كمال جنبلاط على سلامة الإنسان جسدياً، فكرياً، عقلياً وبيئياً. فهذه السلامة، في رأيه، هي أساس لبقاء ونمو الإنسان وتطور الجماعة والمدنيّة. وأهم وظيفة للدولة، يقول، "هي أن تتدبر المحافظة على سلامة النسل وحيوية العنصر البشري وقوته ونبوغه المتنوع المتناهي" (الميثاق صفحة 18).

إيمان كمال جنبلاط بقيمة الشخصية البشرية وبحياة كل كائن بشري دفعه الى العمل على تحرير الإنسان من العبودية، ومن البؤس والمرض والجوع، وكذلك من الخوف على مصيره ومصير عائلته وأولاده، وتحريره من الجهل ومن البطالة، ومن ضنك الآلات المرهقة لأجهزته وأعصابه وروحه.
...للمزيد
8 // 36
نظرة كمال جنبلاط للمجتمع
اعتمد كمال جنبلاط على المفاهيم العلمية لتكوين نظرته للمجتمع وما يواجهه هذا المجتمع من مشاكل. وبعد تحديده لوظائف المجتمع، ونقد ما هو قائم عليه، سعى الى وضع مخطط متكامل، من خلال إيديولوجيا محدّدة، لتحقيق التغيّر الجوهري المطلوب في البنيان الاجتماعي، بهدف أن يساعد ذلك، في رفع مستوى الإنسان وإعلاء شأنه، وحفظ قيمته وتحقيق الرفاهية والسعادة للفرد والمجتمع في آن.

وانطلاقاً من الفلسفة التي اعتمدها في تأسيسه للحزب التقدمي الاشتراكي، رأى كمال جنبلاط أن ظاهرة الصراع التاريخي بين الطبقات، قد استنزفت الطاقات البشرية وأغرقتها في خلافات ونزاعات لا طائل منها، وعرقلت تطور المجتمع، ولذلك دعا الى تخطّي هذا الصراع للتمكن من إقامة "مجتمع على أسس المحبة والخير الشامل، وصهر الشعب في وحدة اجتماعية تامة، واعتبار الدين أساساً جوهرياً في قيام المجتمع الأسمى. مجتمع الإنسان بكل ما لهذه الكلمة من معنى" (ثورة في عالم الإنسان صفحة 94).

مجتمع الكفاية والعدل الذي سعى الى إقامته كمال جنبلاط هو "كلّ عضوي حيويته في تنوّعه، لكل عمل فيه كرامته. ولا تفضّل مهنة على مهنة إلاّ في تأمين انتظام المجتمع واستمراره وترقّيه نحو الكمال" (نحو اشتراكية أكثر إنسانية، صفحة 50).
...للمزيد
9 // 36
كمال جنبلاط والشباب
لقد احتل موضوع الشباب ودورهم مكانة خاصة في فكر كمال جنبلاط ومسيرته النضالية. كانت له آراء جريئة بهذا الخصوص وكانت له مشاريعه المتعلقة بالشباب وكيفية إعدادهم فكرياً وجسدياً واجتماعياً ليتقلدوا الدور اللائق بهم في إدارة المجتمع والوطن مستقبلاً.في محاضرة له ألقاها في نادي ذوق مصبح في كسروان سنة 1974، تناول كمال جنبلاط موضوع الشباب ودورهم في لبنان. والشاب كما يراه هو الذي تخطى سن المراهقة ودخل مرحلة النضج، وبدأت تتكون لديه تطلعاته على الحياة، ونزعاته الى التجديد، ورؤيته للحياة التي تختلف عن رؤية من سبقه من أجيال. والشباب في رأي كمال جنبلاط مرحلة نفسية يجتازها الكائن البشري، وتتسم بطابع الطموح والأمل والتخيل الطوباوي. وتطلب الأفضل، والجموح الى تطلب القدرة والقوة والنشوة. والشباب يتصورون أن بمقدورهم تبديل كل شيء، دون الأخذ بالاعتبار والتمييز بين ما يصلح تبنيه والعمل لأجله، وما لا يصلح.

وعن التساؤل هل أن كل شاب هو شاب في المعنى الصحيح للكلمة؟ يجيب مميزاً بين شاب عجنه الاختبار المبكر والتربية السليمة وبارزته آلام الحياة وعقباتها فأصبح ناضجاً. وبين شاب جرفه التقليد وطغت عليه ضغوط المادة فبات مقلدا لا أكثر، وبين شاب ليس له أية فكرة واضحة عن أي شيء، يتقبل كل شيء كالعجينة الطرية.

من هنا اهتمام كمال جنبلاط بالتربية وبالإعلام والقراءة التي لها مساهمة كبرى في تكوين الشباب. وهو يرى ذهن الإنسان خالياً من كل شيء، ومستعداً لأن يتقبل ما يدخل إليه بواسطة حواسه. وخاصة السمع والبصر فالذهن أي الشعور والفكر، يتكون من كل ما هو خارج عن الإنسان.
...للمزيد
10 // 36
كمال جنبلاط والعمّال
احتلت قضايا العمّال حيّزاً كبيراً في فكر كمال جنبلاط ونضاله منذ قرّر التعاطي في الشأن العام، وهو الساعي الى إقامة مجتمع الحرية والعدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص، مجتمع يتحقق فيه شعار "مواطن حرّ وشعب سعيد".

كان كمال جنبلاط رائداً في الدفاع عن العمال وحقوقهم، وقد سعى دائماً لتوحيد كلمتهم وتشكيل قوة ضاغطة عمالية قادرة على مواجهة سلطة كانت تنظر للعمّال نظرة استعلاء وعداء.

منذ أربعينات القرن الماضي، وبُعيد نيل لبنان استقلاله سنة 1943، طالب النائب الشاب كمال جنبلاط بوضع قانون للعمل يصون حقوق العمال. وفي العام 1949، بعد انضاج الفكر التقدمي الاشتراكي أعطى المعلم كمال جنبلاط لهذا الفكر هيكلية تنظيمية، فأسس الحزب التقدمي الاشتراكي، حزب العمال والفلاحين في لبنان، حزب المثقفين، وحزب كل مواطن ملاّك، وكل مواطن مالك لبيته. وللتدليل على أهمية موقع العمّال في فكره ونضاله، حرص كمال جنبلاط على أن يصادف تاريخ تأسيس الحزب الأول من أيار المخصص عالمياً عيداً للعمال بعد انتصارهم على سياسة القمع التي كانت السلطات في العالم الصناعي الغربي تمارسها ضدهم، وضد مطالبهم حماية لمصالح أرباب العمل.
...للمزيد
11 // 36
كمال جنبلاط وقضايا المرأة
تنطلق نظرة كمال جنبلاط للمرأة وقضاياها، من نظرته للإنسان فهو لا يميّز في هذه النظرة بين الرجل والمرأة، فما يطلبه للإنسان ومن الإنسان واحد. إلاّ أنه يعطي للمرأة بعض الصفات التي لا تتوفر لدى الرجال.

ومن دراسة له عن الديمقراطية واحترام القانون والدستور والأخلاق. صدرت في جريدة الأنباء بتاريخ 3/8/1974، ووردت في الصفحة 82 من كتاب له عنوانه "الإنسان والحضارة" نستعير هذا القول:

"أعتقد بنظرتي الخاصة أن عند النساء صفات غير موجودة عند الرجال، فروح التضحية والصبر والاهتمام بالمسائل الاجتماعية موجودة عند النساء أكبر مما هي عند الرجال. فنساء عدّة حكمن، فكانت عندهن جرأة وشجاعة أكثر من الرجل. ولا شك في أن هناك وزارات في الدولة تنجح فيها المرأة أكثر من الرجل، ويمكن أن تكون في حقل القضاء أقل عرضة للتآثر بالشفاعات من الرجل. وعلينا أن نسهّل الطرق للمرأة في النضال والعمل الاجتماعي والخدمة العامة. واليوم السيدة نهرو (أنديرا غاندي) لعبت دوراً أهم وأصعب من دور والدها بالرغم من أنه كان عبقرياً وكذلك كان الأمر مع السيدة بندرانايكه في سيريلنكا، وغولدا مائير رغم بشاعتها.ولذا يجب إفساح المجال للنخبة النسائية بأن تلعب دورها أيضاً كالرجل."
...للمزيد
12 // 36
كمال جنبلاط المتمرد والثائر على التركيب الإجتماعي
كمال جنبلاط هو بالطبع سليل عائلة عريقة لعبت ولا زالت دورا أساسيا في تاريخ لبنان والمنطقة العربية، غير ان كمال، ومنذ نعومة أظفاره نهج في حياته، على الصعيد الشخصي أولا، وعلى الصعيد العام ثانيا، نهجا مميزا عمّن تعاطوا الشأن العام من العائلات الكبرى. تميزت حياته بالبساطة والتعامل مع الآخرين تعامل الندّ للندّ، كان يتقاسم ما يحصل عليه من مال وغذاء، وأحيانا الكساء، مع أقرانه من الأولاد في المختارة، كما في المدرسة في عينطورة. وبعد بلوغه سن الرشد حرص، رغم الممانعة العائلية، على توزيع قسم من الأراضي التي تملكها العائلة على الفلاحين الذي يعملون فيها. وبحسه الإجتماعي المتنور طرح أمام المندوب السامي الفرنسي في لبنان جورج كاترو سنة 1941:
"مسألة القمح وتناقص السكّان في الأرياف وتزايد البطالة، ومسألة الخبز والعمل للجميع في العدل والكرامة، هما الإستقلال الحقيقي والحرية الحقيقية، للمواطن وللجماعة (ثورة الأمير الحديث صفحة 74 للدكتور خليل احمد خليل).
وفي مقالة له نشرتها جريدة " صوت الأحرار" في 3 كانون الثاني سنة 1947، كتب "لم تقم حتى الساعة في صلب الشعب اللبناني حركة سياسية تقدمية إجتماعية شاملة وعميقة من حيث نظرتها الفلسفية للوجود، تهدف الى إذاعة الأسس الفكرية الصحيحة للإصلاح المنشود، وتعميمها وجعل الشعب بأسره يعتنقها ويعمل على تحقيقها".
...للمزيد
13 // 36
كمال جنبلاط والدعوة الى الإصلاح في المجتمع
كمال جنبلاط، في كل ما كتب، وفي كل ما اطلق من افكار، وأرسى من نضال، كانت ثنائية الخبز والقيم ماثلة أمامه على الدوام. وهو القائل:"لا بد من توفير الخبز للإنسان، لكن هذا لا يكفي إذ لا بد من أن يكون توفير الخبز وسيلة لأن تعمر نفس هذا الإنسان بالقيم".

من هنا تأكيد المعلم الدائم على البعد الإنساني والإجتماعي في نضاله. فالعمل على تأمين لقمة العيش والعلم والصحة للإنسان، رأى فيها كمال جنبلاط إطارا يجب ان يتيح لهذا الإنسان تحقيق ذاته، وإنسانيته في مجتمع سعى المعلم جاهداً لإصلاحه.

كمال جنبلاط وزيراً كان، أم نائباً، ام قائداً سياسياً، ام مفكراً، هو هو ، نضال دائم من أجل الإنسان، من أجل الجماهير. لم يكن يتعاطى بقضايا الناس في لبنان بمجرد كلام العطف او التحريض والإثارة، بل كان يمسك بالوقائع ويبدع ويمارس الفعل، فيضع مشروعا، او يبتدع صيغة، او يجترح فكرة... وذلك كله من أجل الناس في هذا البلد.

عندما كان وزيرا للإقتصاد، او للداخلية، او للأشغال، او للتربية، كان عهده يتميز بوضع المشاريع وملاحقة تنفيذها. اما خارج الحكم، وهي الفترات الأطول في نضاله فكان يعبّر عن رأيه وأفكاره، ومشاريعه من خلال المهرجانات او الندوات الفكرية ، او المقابلات الصحفية، او المقالات التي اطلق الآلاف منها في الصحف ، وكان فيها كلها يواجه مشاكل الوطن والمجتمع والناس في هذا المجتمع.
...للمزيد
14 // 36
16 // 36
يعتبر التراث الفكري السياسي لكمال جنبلاط من أهم ما انتجه الفكر السياسي العربي المعاصر. ويمتاز بشموليته و إتساع دائرة القضايا والمواضيع التي تصدى لها، وحاول إيجاد حلول لها. كما ينفرد برؤى مستقبلية طموحة لم تتوفر عند غيره من المفكرين السياسيين.
كمال جنبلاط، المفكر السياسي عالج كافة القضايا السياسية والإجتماعية والإنسانية المصيرية، واقترح لها الحلول المتوازنة والمتوافقة مع طبيعة الإنسان وحاجاته النفسية والمادية والروحية.
و ناضل من أجل تحقيق سعادة الإنسان في إطار مجتمع عادل ومتحرر من كل ارتهان. مجتمع يؤمن لهذا الإنسان الشروط الملائمة لحياته، والمقومات اللازمة لمعيشته، في جو من الإنفتاح الفكري الذي يوازن ما بين حرية الفرد الشخصية ودوره الإجتماعي الفاعل، وهو صاحب الشعار البالغ الدلالة: " مواطن حر وشعب سعيد".
فكر كمال جنبلاط السياسي يتمحور حول مجموعة من الثوابت أهمها:
17 // 36
الربط بين الحرية والوعي
يرى كمال جنبلاط "أن الحرية هي وجه آخر مماثل للوعي، فلا حرية ولا تقدم بدون وعي، لأن الوعي هو جوهر الوجود. والإنسان الذي سعى كمال جنبلاط لبنائه هو الإنسان الذي يتكامل فيه الوعي والحرية. وعلى ضوء هذا التلازم بين الحرية والوعي يتضح لنا، خلال عملية التطور غرض الحياة منا وفينا. وأننا أداة مكلفة، في الواقع، بتحويل التيار الحي الزاخر بالإمكانيات، منذ فجر الحياة، إلى فكر وشعور وإشراق وقيم حق ومحبة وجمال. كما يتضح لنا أيضاً أية قيمة هي الشخصية البشرية، وأية قيمة هي حياة كل كائن بشري ورسالته". (ميثاق الحزب التقدمي الإشتراكي صفحة 15).

الإنسان الجديد الذي يريده كمال جنبلاط يتحدد، إذاً، بهذا الوعي وبهذه الحرية المتلازمين، وعلى هذا الإدراك للإنسان الجديد يستند فكر كمال جنبلاط السياسي عندما يشدد على مبدأ الحريات والحقوق والواجبات الإجتماعية والسياسية. وهذا بالطبع لا يتجلى، في نظر كمال جنبلاط، إلا من خلال توفر الشروط التالية:

  1. المساواة الجوهرية بالحقوق والوجبات.
  2. العادلة المستوحاة من الإخاء والتعاون والتضامن، والتي تجعل من الجماعة كلاً عضوياً.
  3. إحترام جميع حريات الفرد المحدودة بحرية الاخرين وبمقتضيات الخير العام، "أي خير الجماعة المشتركة في وضع إجتماعي وحقوقي معين. فالحرية الشخصية- ما عدا حرية الفكر ومستلزماتها التي يجب أن تظل مطلقة لأن مصدرها العقل - هي في الإجتماع وفي السياسة وفي الإقتصاد مفهوم نسبي، ككل مفاهيم الحياة، يتحدد ويتطور بالنسبة إلى الجماعة والتقنية والمدنية القائمة والإنسان، وحرية الفرد المطلقة في حقول الإقتصاد والإجتماع والسياسة أصبحت اليوم تتناقض مع الواقع، ولم يعد لها، من الوجهة النظرية أي مبرر". (الميثاق - المرجع السابق صفحة 16-17).
18 // 36
الإيمان بفكرة التطور
يعتبر التراث الفكري السياسي لكمال جنبلاط من أهم ما انتجه الفكر السياسي العربي المعاصر. ويمتاز بشموليته و إتساع دائرة القضايا والمواضيع التي تصدى لها، وحاول إيجاد حلول لها. كما ينفرد برؤى مستقبلية طموحة لم تتوفر عند غيره من المفكرين السياسيينربط كمال جنبلاط التطبيق الإشتراكي الذي دعا لتحقيقه، بالإيمان بفكرة التطور، وشروط توفر الحريات الشخصية الإنسانية. وهو يرى أن افتقاد التطبيق الإشتراكي إلى هذا الجو من الحرية من الطبيعي أن يؤدي إلى حرف الإشتراكية عن مسارها، والإنتهاء بها إلى فشل محتم. والتطور، وفقاً لتعبير كمال جنبلاط هو " مجرى الخلق ومعراجه فينا، وعلى تشابك هذه الإتجاهات الكبرى للتطور تعمل وتتفاعل في صميم حياة الكون فتدفع بالإنسان وبالجماعات وبالعنصر البشري بإتجاه تحقيقها المحتوم وتطورها الكامل.

وعلى تركيز هذه الإتجاهات الكبرى للتيار الحي (أي الوعي والحرية والتجمع البشري والتكوُر الإنساني) وإبراز مفاعيله في وضع إستقراري تقدمي ... فتقوم على أنقاض العالم القديم عالم اليوم، وهو في الشرق من مخلفات القرون الوسطى، ديمقراطية شعبية تؤلف بين شتات الحقيقة، وتجمع بين النقيضين، النظام والحرية، بين الأخلاق والقانون، بين الفردية الشخصية والإجتماعية، بين القديم والجديد، بين الشرق والغرب. ديمقراطية شعبية منظمة تهدف إلى بعث وإنماء تراث بشري خير متصل، وإحياء مدينة عالمية جديدة قوامها إكتمال تطور العنصر البشري وتتميم معنى الإنسانية في الإنسان".

(كمال جنبلاط - كتاب ثورة في عالم الإنسان، صفحة 63-64).
19 // 36
الربط بين الحرية والوعي
يرى كمال جنبلاط "أن الحرية هي وجه آخر مماثل للوعي، فلا حرية ولا تقدم بدون وعي، لأن الوعي هو جوهر الوجود. والإنسان الذي سعى كمال جنبلاط لبنائه هو الإنسان الذي يتكامل فيه الوعي والحرية. وعلى ضوء هذا التلازم بين الحرية والوعي يتضح لنا، خلال عملية التطور غرض الحياة منا وفينا. وأننا أداة مكلفة، في الواقع، بتحويل التيار الحي الزاخر بالإمكانيات، منذ فجر الحياة، إلى فكر وشعور وإشراق وقيم حق ومحبة وجمال. كما يتضح لنا أيضاً أية قيمة هي الشخصية البشرية، وأية قيمة هي حياة كل كائن بشري ورسالته". (ميثاق الحزب التقدمي الإشتراكي صفحة 15).

الإنسان الجديد الذي يريده كمال جنبلاط يتحدد، إذاً، بهذا الوعي وبهذه الحرية المتلازمين، وعلى هذا الإدراك للإنسان الجديد يستند فكر كمال جنبلاط السياسي عندما يشدد على مبدأ الحريات والحقوق والواجبات الإجتماعية والسياسية. وهذا بالطبع لا يتجلى، في نظر كمال جنبلاط، إلا من خلال توفر الشروط التالية:

  1. المساواة الجوهرية بالحقوق والوجبات.
  2. العادلة المستوحاة من الإخاء والتعاون والتضامن، والتي تجعل من الجماعة كلاً عضوياً.
  3. إحترام جميع حريات الفرد المحدودة بحرية الاخرين وبمقتضيات الخير العام، "أي خير الجماعة المشتركة في وضع إجتماعي وحقوقي معين. فالحرية الشخصية- ما عدا حرية الفكر ومستلزماتها التي يجب أن تظل مطلقة لأن مصدرها العقل - هي في الإجتماع وفي السياسة وفي الإقتصاد مفهوم نسبي، ككل مفاهيم الحياة، يتحدد ويتطور بالنسبة إلى الجماعة والتقنية والمدنية القائمة والإنسان، وحرية الفرد المطلقة في حقول الإقتصاد والإجتماع والسياسة أصبحت اليوم تتناقض مع الواقع، ولم يعد لها، من الوجهة النظرية أي مبرر". (الميثاق - المرجع السابق صفحة 16-17).
20 // 36
مفهوم جديد للديمقراطية
"الديموقراطية, بالنسبة لكمال جنبلاط، نظام عقلاني و انساني، يرتكز على احترام حقوق الانسان و تقدير واجباته، و هو انتصار بحد ذاته لمبادئ المساواة و العدل و الاخوَة البشرية، و الكرامة الشخصية" (كمال جنبلاط – كتاب من أجل المستقبل صفحة 257).

و الديموقراطية، يقول كمال جنبلاط، واجب و التزام بالنسبة الى الحاكم و الادارة، كما هي واجب و التزام بالنسبة الى المواطن.

و الديموقراطية، كما ورد عنها في ميثاق الحزب التقدمي الاشتراكي، هي نتيجة لتبني فكرة التطور على اطلاقه، و هي ترتكز على اتجاهي التطور: و هما الوعي و الحرية من جهة، و الجماعية من جهة ثانية. و هي تجمع بين نقيضين: النظام و الحرية، الاخلاق والقانون، العمل و التأمل، المادية و التجريد ...

...للمزيد
21 // 36
مفهوم جديد للاشتراكية
ان المبادئ التي على اساسها تاسس الحزب التقدمي الاشتراكي، على يد كمال جنبلاط و مجموعة من المثقفين اللبنانيين هي حصيلة استقراء شامل في المذاهب الاشتراكية التي عرفتها الساحة العالمية و المجتمعات الانسانية. و قد أضفى كمال جنبلاط على هذه الاشتراكية نزعته الانسانية و حبه للناس، بهدف بناء دولة تقدمية اشتراكية علمانية ديموقراطية تسود فيها المساواة الجوهرية بين المواطنين.

و قد جاء في كتاب التثقيف الاعدادي، طبعة 1980، الصفحة4 :

"ان التقدمية الاشتراكية هي حركة اجتماعية و سياسية ترمي الى بناء مجتمع و نظام حكم على ثلاثة اسس:

  1. التقدمية، اي اختيار الصالح من اختبار الانسان في مختلف الحقول.
  2. الاشتراكية، و هي نظام اقتصادي و اجتماعي يهدف الى تحقيق العدالة الاجتماعية و المساواة في المبادرة بالعمل.
  3. الديموقراطية التي هي نظام حكم الشعب للشعب بواسطة الشعب."

...للمزيد
22 // 36
مفهوم جديد للقومية العربية
هذا المفهوم يتميز بتقدميته ومعارضته للمفاهيم التقليدية في الفكر السياسي والحزبي العربي المعاصر، و" يتبنّى نظرية في القومية تتنكّر لكل فكرة تقوم على القوة وإستثارة الفرد والجماعة، لبناء أمة نزعتها الإنكماش على ذاتها، والعصبية المفرّقة الحقود، والإتساع على حساب غيرها من الجماعات (ميثاق الحزب صفحة 11-12)".

ويعرّف القومية بأنها "وعي المتحد الإجتماعي البشري لوحدة تفاعله وتميزه ومصيره، فالقومية هي بالنسبة للمتحد كماهية الشخصية بالنسبة للفرد (ميثاق الحزب صفحة 37). ويؤكد كمال جنبلاط "أن القومية لا يمكن أن تكون مطلقة فهي مفهوم معنوي نسبي بين الشعوب، فلا توجد إذاً سيادة وطنية مطلقة بل سيادة نسبية، وإذا أدركناها من هذا المنظار بَطُلت القومية أن تكون أداة للتناقض والتعاكس وإنماء العداء، وأضحت فقط أداة للتعبير عن التنوع والتمييز البشري الإجتماعي العارض (الميثاق صفحة 37)".

...للمزيد
23 // 36
مفهوم جديد للعلمانية
في افتتاحية له نشرتها جريدة "الانباء" 22/3/1975، حدد مفهوماً للعلمانية يختلف عن المفهوم السائد لها عند الكثيرين في العالم، فماذا قال حول هذا الموضوع؟

قال كمال جنبلاط أن "العلمانية مفهوم وشعار كالديمقراطية، وكالاشتركية بحد ذاتها، وكسائر المفاهيم السياسية، ان جرّد عن حقيقة الانسان وواقعه، انقلب صنماً وارتد ارتهاناً، وأضحى في موقع الضلالة بالنسبة للمواطن... هكذا هو شعار العلمانية المحض: فيجب ان لاتكون اسطورة نفسية وخدعة سياسية. انما علينا أن نكتشف محتواها الحقيقي في ما تنبع منه من مطلب حقي – تقدمي فعلاً – في الانسان".

فما هو المحتوى الحقيقي للعلمانية عند كمال جنبلاط؟

...للمزيد
24 // 36
روح الحرية والعدالة... العدالة الاجتماعية
في كتابه "الانسان والحضارة" صفحة 109، أعلن كمال جنبلاط ضرورة تحقيق العدالة الاجتماعية في المجتمع التقدمي الاشتراكي. وتساءل: ما هي العدالة الاجتماعية؟ وقبل أن يجيب عاد الى التاريخ ليتوقف عند شعار "الحرية والاخوة والمساوة" الذي رفعته الثورة الفرنسية سنة 1789، وعنها أخذته الثورات التي تلت في أوروبا والعالم.

وهو الشعار الذي ألهب حماسة الجماهير وعواطفها الى درجة تناسى فيها الناس المرتكز الاول لهذه الحرية ولهذه الاخوة ولهذه المساوة، أي مبدأ العدالة، ويقول كمال جنبلاط بهذا الصدد: "أضحت هذه الكلمات من جراء هذا التناسي، جوفاء، ضافرة، مجردة من معناها الحقيقي. فالحرية بدون عدالة فوضى مستهترة وظالمة بالنسبة للاخرين. وحرية المرء في المجتمع وفي الدولة يحدها حق الاخرين بالتحسس بحرياتهم. والاخوة بدون عدالة هي شعورية أم عاطفية غير مدركة لما تقصد ولما تفعل، أقرب من انجذابية الحيوان بعضه لبعض من حب الانسان البصير المدرك لواجبته واحقوق الاخرين... هي غريزة حيوانية وليست عاطفة بشرية... لان الحب الانساني الحقيقي الذي يجمع بين الشتيتين ويقرب بين الحاقدين، ويوحد بين شخصين، لاينفصل عن العدالة، ويقرب بين المتحاقدين، ويوحد بين شخصين، ولا ينفصل عن العدالة، وان تعداها في بعض مراحل اكتناه الحقيقة واستكشاف الذات".

...للمزيد
25 // 36
التكور الإنساني
يرى كمال جنبلاط (كتاب: ثورة في عالم الإنسان، الصفحات 18-23) "أن التكور الإجتماعي (التجمع البشري) (“socialisation”) هو من أضخم نتائج ومواليد العصر الذي نعيشه، وهو ينزع إلى تمثيل وإظهار مطلب الوحدة في الإنسان وعكس هذا المطلب الأساسي في المجتمع وفي الحضارة.

ووحدة الوجود هي الجذوة التي يشع منها الوعي، هي المحور أو نقطة البيكار التي تدور عليها الدائرة- دائرة الوجود كله". ويضيف:"إن البشرية وصلت إلى درجة من نموها السلالي يمكن أن نسميها بمرحلة الجمعية أوتجمع القوى والطاقات وسجمها ومحاولة توحيد تنوعها المتشعب المتزايد في بوثقة المجتمع (socialisation humaine) و في تآليف اجتماعية متطورة عما سبق أو مضى. والإضطرابات الإجتماعية الكبيرة، والصراع العالمي على السيطرة والنفوذ. كما الكفاح المرير بين الشعوب والفئات الإجتماعية المتخمة بالمال والغذاء وبحبوحة العيش، وبين نصف سكان الأرض الذين يتضورون جوعاً، كل هذا يعني أن الإنسانية قد بلغت بدورها السن الذي تنزع فيه كل فصيلة إلى إنتظام وسجم أعضائها ... ففينا يظهر أن البشرية تقترب من طور تجمعها أو تكورها الإجتماعي الخطير ... هذا التجمع البشري يفرض النظام لحل مشاكل الإقتصاد والمجتمع لا الفوضى ... هذا التجمع البشري، هذا التكور الإجتماعي، يفرض شعورنا الكامل باهدافنا وبأهمية حرية مبادرتنا والتزامنا بأهداف الحزب وبتحقيقها".

وفي مكان آخر يقول كمال جنبلاط: "هذا التكور الإجتماعي تنجم عنه، خارج نطاق الشعب والدولة، حركة الإلتقاء الكبرى للقوميات الواسعة، وأنظمة وروحية التعاون والإتحاد في إطار بعض الحضارات والقارات ... قد يتخذ هذا التجمع أشكالاً متنوعة وصوراً متباينة ، وفق الشعوب والظروف، وواقع النزعات والأهداف والعناية بتنميته، ولكنه تيار حتمي ينبع من صميم توجه الجيل الذي نحن منه وباستقطابه نعيش ... وهذا، بالطبع، هو مظهر وحدة الإنسانية وتكورها (Planétisation)والتحسس أكثر فأكثر بوحدة هذا الكوكب الذي نعيش عليه".

26 // 36
لماذا انا اشتراكي
يقول كمال جنبلاط (في كتابه " ثورة في عالم الإنسان صفحة 7-9") انا اشتراكي لأنني احب العدل والإخاء والحرية ، لأنني أشعر إن عدلت مع غيري فكأنني عدلت مع نفسي ، وإن ظلمت غيري ظلمت نفسي. انا اشتراكي لأنني أنزع الى التوافق مع الجميع والإنسجام الشامل الذي يجب ان يحلّ بين الناس وبين ما اعترف لهم به القانون والشرعة الطبيعية من حقوق ، هذا الذي نسميه عدالة...

" أنا اشتراكي ، لأنني أعتقد أنّ العمل بدون رأسمال لا يقوم ... والرأسمال لا تنفذ إمكانياته ويظل مجرّد طاقة الى ان يتحوّل الى عمل ... فالعمل لا يمكن ان ينفصل عن الرأسمال... ولكن هي الطبقية – طبقية العامل وطبيعة رب العمل – التي فصلت وميّزت بين الرأسمال وبين العمل.

...للمزيد
27 // 36
29 // 36
كمال جنبلاط رائد الاصلاح في لبنان
كمال جنبلاط المفكر والمناضل والسياسي، عمل طوال حياته السياسية من اجل الاصلاح. وكان يؤكد دوماً ان الاصلاح حاجة اساسية لكي تنتظم الامور في لبنان. ومن اجل تحقيق هذا الاصلاح دعا الى تنقية الجو السياسي وتطهيره من المفسدين والرجعيين وعملاء الاجنبي. كما دعا الى تطهير ادارات الدولة من ارباب الفساد والرشوة وعديمي الكفاءة الخلقية والمعنوية والادارية.

مشاريع كمال جنبلاط الاصلاحية كان يرفعها في كل مناسبة استحقاق حكومي او رئاسي او انتخابي، تارة باسمه الشخصي ، وطوراً باسم الحزب التقدمي الاشتراكي الذي يترأسه، او باسم الجبهات التي كان يشارك فيها.

وهذه ابرز المحطات والمحاولات الاصلاحية في تجربة كمال جنبلاط.

المحاولة الاصلاحية الاولى

في اول ايار من العام 1951 تشكلت برئاسة كمال جنبلاط الجبهة الاشتراكية الوطنية التي تعهد اعضاؤها مواجهة الفساد المستشري في عهد الرئيس بشارة الخوري. والعمل لتحقيق المشاريع الاصلاحية التالية:

...للمزيد
30 // 36
كمال جنبلاط ... والتواصل مع الناس
أدرك كمال جنبلاط المفكر، والسياسي، والمناضل اهمية التواصل مع الناس لشرح افكاره ، وعرض آرائه، والاضاءة على تطلعاته ومشاريعه الاصلاحية ، ومواقفه السياسية والنضالية.

ومن اجل ضمان نجاح هذا التواصل في اداء الدور المطلوب منه، اعتمد كمال جنبلاط عدة وسائل، هذه ابرزها:

1- الصحافة

في افتتاحية له لجريدة الانباء بتاريخ 5/10/1973، تحدث كمال جنبلاط عن اهمية الصحافة ، فكتب:

...للمزيد
31 // 36
كمال جنبلاط والدعوة الى الاصلاح في المجتمع
كمال جنبلاط، في كل ما كتب، وفي كل ما اطلق من افكار، وارسى من نضال، كانت ثنائية الخبز والقيم ماثلة امامه على الدوام.
وهو القائل: " لابد من توفير الخبز للانسان، لكن هذا لا يكفي اذ لا بد من ان يكون توفير الخبز وسيلة لان تعمر نفس هذا الانسان بالقيم".
من هنا تأكيد المعلم الدائم على البعد الانساني والاجتماعي في نضاله. فالعمل على تأمين لقمة العيش والعلم والصحة للانسان، رأى فيها كمال جنبلاط اطاراً يجب ان يتيح لهذا الانسان تحقيق ذاته وانسانيته في مجتمع سعى المعلم جاهداً لاصلاحه.
كمال جنبلاط وزيراً كان ام نائباً ، ام قائدا سياسياً ، ام مفكراً ، هو هو ، نضال دائم من اجل الانسان ، من اجل الجماهير. لم يكن يتعاطى بقضايا الناس في لبنان بمجرد كلام العطف او التحريض والاثارة، بل كان يمسك بالوقائع ويبدع ويمارس الفعل، فيضع مشروعاً، او يبدع صيغة ، او يجترح فكرة. وذلك كله من اجل الناس في هذا البلد.
عندما كان وزيراً للاقتصاد، او للداخلية، او للاشغال، او للتربية، كان عهده يتميز بوضع المشاريع وملاحقة تنفيذها. اما خارج الحكم، وهي الفترات الاطول في نضاله فكان يعبر عن رأيه وافكاره ومشاريعه من خلال المهرجانات او الندوات الفكرية او المقابلات الصحفية ، او المقالات التي اطلق الالاف منها في الصحف، وكان فيها كلها يواجه مشاكل الوطن والمجتمع والناس في هذا المجتمع.

...للمزيد
32 // 36
34 // 36
كمال جنبلاط العربي
1- نظرته للقضايا العربية

آمن كمال جنبلاط بالعالم العربي، وبالقومية العربية، وبالامكانات المتوفرة للعرب لتقرير مصيرهم بأنفسهم، وطالب العرب بتوحيد كلمتهم ومواقفهم في وجه الاطماع الخارجية الاستعمارية والصهيونية. وساند جميع الحركات العربية النضالية ووجه انتقادات لاذعة للانظمة العربية المتقاعسة عن تطوير مجتمعاتها. ودعا لاقامة وحدة عربية فدرالية على اسس التعددية التي تحترم الخصوصيات الدينية والثقافية والحضارية. الهمّ العربي رافق كمال جنبلاط طيلة مسيرته النضالية حتى استشهاده سنة 1977. كما استطاع ان يفرض نفسه قائداً بارزاً من قادة العرب يحظى باحترام كبير لدى الشعوب العربية.

...للمزيد
35 // 36
كمال جنبلاط الاممي
في عمله السياسي والنضالي، وفي نشاطه الفكري، انطلق كمال جنبلاط من معايير خلقية وانسانية جعلته لا يهادن احداً، في النطاقين العربي والاممي على حساب مبادئه. هذه المعايير اتاحت له ان يكسب احترام جميع القادة والحكام حتى الذين يعارضون آراءه ومواقفه. وقد برهن فعلاً انه لا يتبنى اية معركة شخصية او فئوية لهذا ضد ذاك، بل سعى دوماً عن طريق اعتماده الجدلية الفكرية الى حمل من يجادله على الاقتناع بصحة وصدق ما يقوله او يطالب به. ورغم انه كان في معظم مراحل عمله السياسي والنضالي، خارج السلطة، فانه استطاع ان يكون حاضراً وفاعلاً، في قمم بلدان العالم الثالث، منذ مشاركته في الاعمال التحضيرية في الهند لمؤتمر باندونغ، بالتعاون مع الرؤساء جمال عبد الناصر ونهرو، وتيتو، الى قيادته لعدد كبير من النشاطات المشتركة الاسيوية - الافريقية والاميركية اللاتينية، مروراً باختياره رئيساً للجنة تخليد الرئيس عبد الناصر ، وبانتخابه في هيئة رئاسة منظمة تضامن الشعوب الاسيوية – الافريقية.
في مختلف المجالات والمناسبات ، ومن على مختلف المنابر كان كمال جنبلاط يحمل روحيته الانسانية والاخلاقية، ويجعلها اساساً للعمل التضامني من اجل التحرر السياسي والاجتماعي والتضامن الاقتصادي ، ويجعلها اساساً لخوض الكفاح لتحرير ارادة الانسان اينما وجد وهو الذي آمن بالتكوّر الانساني ، وتطلّع دائماً الى مجتمع أممي اكثر عدالة واكثر انسانية.

...للمزيد
36 // 36
علاقات كمال جنبلاط العربية والدولية وزياراته
على مدى ربع قرن من العمل السياسي، لم يقتصر نشاط كمال جنبلاط على لبنان ومعاناته ومحاولات تحقيق اصلاحات فيه، بل كانت له اهتمامات ونشاطات ومواقف واكبت كل ما كانت تشهده المنطقة العربية والساحة الدولية من احداث. شارك في العديد من المؤتمرات، وقام بزيارات للعديد من البلدان، ونسج شبكة كبرى من العلاقات مع العديد من القادة والمسؤولين العرب والاجانب. واستحق عن جدارة لقب الزعيم العربي والاممي، وحظي باحترام وصداقة جميع من التقى بهم حتى الذين كانوا يخالفونه الرأي او الموقف، لأن مواقفه تميزت بالصدق والترفع وسموّ الاهداف.

...للمزيد
السيرة الذاتية
للمعلم كمال جنبلاط
بطاقة الهوية الشخصية:

الاسم : كمال جنبلاط
اسم الاب: فؤاد جنبلاط
اسم الأم : نظيرة جنبلاط
مكان الولادة: المختارة
تاريخ الولادة: 6 كانون الأول 1917
تاريخ الاستشهاد: 16 آذار 1977
ينتسب الى عائلة جنبلاط التي لعبت ولا زالت تلعب دوراً بارزاً في تاريخ لبنان.
(شجرة العائلة الجنبلاطية)

التنشئة والدراسة والشهادات:

- في مرحلة الطفولة أشرفت على تنشئته، الى جانب والدته، السيدة ماري غريّب.
- تابع دراسته في معهد عينطوره للآباء العازريين بين سنتي 1926 و 1937، ونال في نهايتها شهادة البكالوريا بقسميها اللبنانية والفرنسية.
- تابع دراسته الجامعية في جامعة السوربون في باريس (فرنسا) بين العامين 1937 و 1939، ونال شهادة في علم النفس والتربية المدنية، وأخرى في علم الاجتماع. عاد الى لبنان، بسبب نشوب الحرب العالمية الثانية، وتابع دراسة الحقوق في جامعة القديس يوسف للآباء اليسوعيين ونال شهادة الحقوق سنة 1940.

محطات بارزة في نشاطه الرسمي:
في النيابة:

- انتخب نائباً للمرة الأولى سنة 1943 في برلمان الاستقلال، وأعيد انتخابه نائباً عن الشوف (جبل لبنان) بشكل متواصل حتى تاريخ استشهاده سنة 1977، فيما عدا دورة انتخابات 1957 المطعون في سلامتها.
- أسس، وشارك في تأسيس عدّة جبهات نيابية كانت بمعظمها جبهات معارضة للسلطة، أبرزها الجبهة الاشتراكية الوطنية التي أسقطت الرئيس بشارة الخوري من رئاسة الجمهورة سنة 1952، وجبهة النضال الوطني التي تولت، منذ العام 1960، الدفاع عن القضايا الوطنية والشعبية والقومية.

في الوزارة

تولى كمال جنبلاط الوزارات عدة مرات:
- وزارة الاقتصاد الوطني والشؤون الاجتماعية 14/12/1946 – 7/6/1947).
- وزارة التربية والفنون الجميلة (1/8/1960 – 20/5/1961).
- وزارة الأشغال العامة والنقل والتصميم العام (20/5/1961- 31/10/1961).
- وزارة الداخلية (31/10/1961- 20/2/1964).
- وزارة الأشغال العامة والنقل والبريد والبرق والهاتف (9/4/1966- 6/12/1966).
- وزارة الداخلية (15/1/1969 – 3/10/1970).

محطات بارزة في نضاله السياسي:

- إنشاء الحركة الاجتماعية اللبنانية.
- تأسيس الحزب التقدمي الاشتراكي.
- قيادة الثورة البيضاء سنة 1952، وإسقاط الرئيس بشارة الخوري.
- قيادة المعارضة اللبنانية للرئيس كميل شمعون ولسياسة الأحلاف، ودعم حركات المقاومة ضد الاستعمار.
- المشاركة الفعّالة في ثورة 1958 ومنع الرئيس شمعون من التجديد.
- دعم محاولات الرئيس فؤاد شهاب الإصلاحية.
- مقاومة تسلّط ضباط المكتب الثاني على الحياة السياسية في عهد الرئيس شارل حلو.
- مساندة القضية الفلسطينية والجزائرية واليمنية وسائر قضايا التحرر العربي.
- مساندة الناصرية والدعوة الى عروبة تحترم التنوع في الوحدة.
- مقاومة النزعة الانعزالية والتكتلات الطائفية في لبنان.
- قيادة الحركة الوطنية اليسارية، والسعي لإقامة لبنان العلماني التقدمي.
- معارضة التدخل السوري العسكري في لبنان.
- الاستشهاد في 16 آذار 1977.

زياراته:

خلال ممارسته لنشاطه السياسي والنضالي والفكري قام كمال جنبلاط بزيارات للعديد من البلدان العربية والأجنبية نذكر منها: سوريا، مصر، الكويت، الأردن، العراق، ليبيا، المملكة العربية السعودية، المغرب، الجزائر، اليمن، فرنسا، روسيا، رومانيا، الصين، الولايات المتحدة الأميركية، يوغوسلافيا، وخاصة الهند التي تكررت زياراته لها في سنوات: 1948، 1950، 1953، 1962، 1965، 1975 لمقابلة حكمائها والاجتماع بقادتها.

صداقاته:

كانت لكمال جنبلاط مكانة مميزة واحتراماً وتقديراً كبيرين في جميع الدول التي زارها. وكانت له شهرة واسعة شعبية ورسمية. ومن أبرز الزعماء الذين أقام علاقات صداقة معهم الرئيس جمال عبد الناصر، الملك محمد الخامس، الرئيس هواري بومدين، الملك فيصل بن عبد العزيز آل سعود، الأمير عبدالله بن عبد العزيز (الملك الحالي)، ملك المغرب الحسن الثاني، جواهر لال نهرو، الماريشال تيتو، شوان لاي، رادها كريشنان، جورج مارشيه، فرانسوا ميتران وكثيرين غيرهم.

آثاره الفكرية وكتاباته:

أعطى كمال جنبلاط فكراً للسياسة وعقلاً للعمل السياسي جاعلاً التنظيم والتنظير قوة متماسكة وفاعلة في مجرى التاريخ. له العديد من المخطوطات والمقالات حول الحكمة والتاريخ والعرفان واليوغا والديالكتيك (الجدلية) والعلم الموضوعي الخ... ترك أكثر من 120 افتتاحية صحفية باللغتين العربية والفرنسية. عقد مئات المؤتمرات الصحافية، وألقى مئات الخطب السياسية في مؤتمرات حزبية ووطنية وعربية وعالمية. وكذلك في المجلس النيابي اللبناني. أغنى المكتبة العربية والعالمية بمؤلفاته السياسية والفلسفية والأدبية والشعرية. ومؤلفاته المنشورة حتى اليوم تضم: (لائحة الكتب المنشورة) ويضم تراث كمال جنبلاط مجموعة من الوثائق والمذكرات الخاصة بمرحلة الاستقلال وأحداث 1952 و 1958 و 1975-1976. وقد بلغ عددها 97 وثيقة من أحجام مختلفة.
شجرة نسب
العائلة الجنبلاطية
من الشيخ بشير.... الى وليد

إنسان كمال جنبلاط
احتلّ الإنسان في فكر كمال جنبلاط ونضاله الغاية الأسمى لأي عمل بشري في الحقل الزمني. وهو نظر لهذا الإنسان ككائن اجتماعي، فهو منذ وجد يعيش ضمن جماعات صغيرة مستقلة، وخلاصه لا يتّم إلاّ في نطاق المجتمع، كما أنه لا يستطيع أن يتهرّب من رباط الزمان (التاريخ) والمكان (الجغرافيا)، وأضاف إليهما بعداً ثالثاً يتخطى الزمان والمكان ويستكملهما هو بُعد الروح المقياس الحقيقي للأعماق والشرط الملازم لكل معرفة. ويرى كمال جنبلاط أنه لا يمكن الفصل بين المستويين الإنساني والاجتماعي. وقد جاء في ميثاق الحزب التقدمي الاشتراكي الذي أسسه كمال جنبلاط: "فالغاية الوحيدة لكل عمل ومؤسسة بشريين هي تفتح كامل ومتناسق لمقدور الفرد... وإن المجتمع في كل مؤسساته ليس في ذاته غاية، بل وسيلة الى بناء الإنسان" (الميثاق صفحة 16 طبعة 1976).

وعلى ضوء هذا الإدراك شدّد كمال جنبلاط على سلامة الإنسان جسدياً، فكرياً، عقلياً وبيئياً. فهذه السلامة، في رأيه، هي أساس لبقاء ونمو الإنسان وتطور الجماعة والمدنيّة. وأهم وظيفة للدولة، يقول، "هي أن تتدبر المحافظة على سلامة النسل وحيوية العنصر البشري وقوته ونبوغه المتنوع المتناهي" (الميثاق صفحة 18).

إيمان كمال جنبلاط بقيمة الشخصية البشرية وبحياة كل كائن بشري دفعه الى العمل على تحرير الإنسان من العبودية، ومن البؤس والمرض والجوع، وكذلك من الخوف على مصيره ومصير عائلته وأولاده، وتحريره من الجهل ومن البطالة، ومن ضنك الآلات المرهقة لأجهزته وأعصابه وروحه.



ومن المواقف التي اتخذها في هذا السياق نذكر:
1- المحافظة على العنصر البشري و قوته وحيويته من خلال العناية الصحية ونشر مبادئ الوقاية، والعمل للتخلص من الأمراض الوراثية، والعناية المنظمة بالرياضة الجسدية والروحية.
2- التأكيد على أهمية ارتباط الإنسان بالأرض فهو يحيا بالماء والغذاء والهواء، ولا بد من المحافظة على البيئة كعنصر أساسي في حياة الإنسان (كتاب أدب الحياة صفحة 18).
3- التشديد على مبدأ الحريات والحقوق والواجبات الاجتماعية والسياسية، مطالباً بالمساواة جوهرياً، وليس لفظياً، بالحقوق والواجبات، وباحترام جميع حريات الفرد المحدودة بحريّة الآخرين، وبمقتضيات الخير العام. وميّز في ذلك حريّة الفكر التي يجب أن تبقى مطلقة لأن مصدرها العقل، ومن هنا إصراره على حرية الإعلام والرأي العام وضمان حرية المواطن في القول والنشر، والحرية الحزبية للجميع.
4- المطالبة بنشر وتعميم التعليم على الجميع إدراكاً منه لأهمية المعرفة والثقافة والتعليم لتطوير الإنسان وبقاء المجتمع.
نظرة كمال جنبلاط للمجتمع
اعتمد كمال جنبلاط على المفاهيم العلمية لتكوين نظرته للمجتمع وما يواجهه هذا المجتمع من مشاكل. وبعد تحديده لوظائف المجتمع، ونقد ما هو قائم عليه، سعى الى وضع مخطط متكامل، من خلال إيديولوجيا محدّدة، لتحقيق التغيّر الجوهري المطلوب في البنيان الاجتماعي، بهدف أن يساعد ذلك، في رفع مستوى الإنسان وإعلاء شأنه، وحفظ قيمته وتحقيق الرفاهية والسعادة للفرد والمجتمع في آن.

وانطلاقاً من الفلسفة التي اعتمدها في تأسيسه للحزب التقدمي الاشتراكي، رأى كمال جنبلاط أن ظاهرة الصراع التاريخي بين الطبقات، قد استنزفت الطاقات البشرية وأغرقتها في خلافات ونزاعات لا طائل منها، وعرقلت تطور المجتمع، ولذلك دعا الى تخطّي هذا الصراع للتمكن من إقامة "مجتمع على أسس المحبة والخير الشامل، وصهر الشعب في وحدة اجتماعية تامة، واعتبار الدين أساساً جوهرياً في قيام المجتمع الأسمى. مجتمع الإنسان بكل ما لهذه الكلمة من معنى" (ثورة في عالم الإنسان صفحة 94).

مجتمع الكفاية والعدل الذي سعى الى إقامته كمال جنبلاط هو "كلّ عضوي حيويته في تنوّعه، لكل عمل فيه كرامته. ولا تفضّل مهنة على مهنة إلاّ في تأمين انتظام المجتمع واستمراره وترقّيه نحو الكمال" (نحو اشتراكية أكثر إنسانية، صفحة 50).

ويضيف المعلم: إن المجتمع في واقعه وحيوية تحرّكه هو مجموعة نشاطات، مجموعة وظائف اجتماعية، ومجموعة عضويّة كجسد الإنسان ذاته، وليس مجموع أفراد، كما كان سائداً. هذه النظرة الجماعية العضوية الحقيقية للمجتمع أبعدت كثيراً كمال جنبلاط عن المجتمع الانحلالي المتفكك القائم على النظرة الفردية للإنسان والمجتمع، والتي أدّت الى انفلات الإنسان تقريباً من كل القيود، كما أبعدته عن الأنظمة الماركسية، والفاشية التي تنظر الى الفرد على أنه مجرد جزء من كلّ، لا قيمة بحد ذاته تتفاعل مع سائر قيم المجتمع، وأصبح الفرد آلة تتلاعب به الآلات التي اخترعها بنو البشر.

ويؤكد كمال جنبلاط ضرورة قيام وضع معتدل ومتوازن آخذ بالتنوع في الوحدة، وبالفردية النازعة الى تحقيق الشخصية، لا بالفردية التي تكون بذرة انفلات وعزلة وتهديم" (ثورة في عالم الإنسان صفحة 71). ويضيف: "إن كل شيء في الوجود ينزع الى الوحدة، وان المجتمع هو مظهر لهذه الوحدة والترابط والتضامن والتعاون بين المواطنين". وهو يرفض فكرة المساواة الحسابية التي لا تحترم شخصية الفرد مطالباً الأخذ بالاعتبار التفاوت الطبيعي في المواهب والمقدرة والكفاءة والاخلاق، ويركّز على أهمية الشخصية القائدة الخلاّقة والمسؤولة في آن. من هنا تمرّده على الإقطاعية لأنها لم تعد تمثل روح الكفاءة القيادية في المجتمع، وباتت تعتمد على الوجاهة الظاهرة الموروثة. كذلك ثار كمال جنبلاط على الطائفية وعمل جاهداً على إزالة رواسب التمييز الطائفي والمذهبي بين المواطنين كأساس لبناء الوحدة الوطنية التي يجب أن تشكّل انعكاساً للوحدة الاجتماعية الداخلية. من هنا قوله: "إن الواجب الشعبي الوطني هو: صهر الشعب اللبناني وحدة اجتماعية تامة الى أن تزول الفوارق الطبيعية وتنتظم الجماعة وفقاً لهيكلها الطبيعي". (ثورة في عالم الإنسان صفحة 94).

والآن هذا السؤال: ماذا عنى كمال جنبلاط بمجتمع الكفاية والعدل؟ الكفاية تعني الاستجابة الشاملة لحاجات المواطنين، وحصول الإنسان على مستوى عيشة مادية ومعنوية يؤمّن له حاجات عيشه الأساسية.

العدل يجب أن يتحقق في الإنتاج وفي توزيع الاستهلاك، وفي الخدمات الاجتماعية على السواء. والطريق لتحقيق ذلك هي التي رسمها للحزب التقدمي الاشتراكي.
كمال جنبلاط والشباب
لقد احتل موضوع الشباب ودورهم مكانة خاصة في فكر كمال جنبلاط ومسيرته النضالية. كانت له آراء جريئة بهذا الخصوص وكانت له مشاريعه المتعلقة بالشباب وكيفية إعدادهم فكرياً وجسدياً واجتماعياً ليتقلدوا الدور اللائق بهم في إدارة المجتمع والوطن مستقبلاً.في محاضرة له ألقاها في نادي ذوق مصبح في كسروان سنة 1974، تناول كمال جنبلاط موضوع الشباب ودورهم في لبنان. والشاب كما يراه هو الذي تخطى سن المراهقة ودخل مرحلة النضج، وبدأت تتكون لديه تطلعاته على الحياة، ونزعاته الى التجديد، ورؤيته للحياة التي تختلف عن رؤية من سبقه من أجيال. والشباب في رأي كمال جنبلاط مرحلة نفسية يجتازها الكائن البشري، وتتسم بطابع الطموح والأمل والتخيل الطوباوي. وتطلب الأفضل، والجموح الى تطلب القدرة والقوة والنشوة. والشباب يتصورون أن بمقدورهم تبديل كل شيء، دون الأخذ بالاعتبار والتمييز بين ما يصلح تبنيه والعمل لأجله، وما لا يصلح.

وعن التساؤل هل أن كل شاب هو شاب في المعنى الصحيح للكلمة؟ يجيب مميزاً بين شاب عجنه الاختبار المبكر والتربية السليمة وبارزته آلام الحياة وعقباتها فأصبح ناضجاً. وبين شاب جرفه التقليد وطغت عليه ضغوط المادة فبات مقلدا لا أكثر، وبين شاب ليس له أية فكرة واضحة عن أي شيء، يتقبل كل شيء كالعجينة الطرية.

من هنا اهتمام كمال جنبلاط بالتربية وبالإعلام والقراءة التي لها مساهمة كبرى في تكوين الشباب. وهو يرى ذهن الإنسان خالياً من كل شيء، ومستعداً لأن يتقبل ما يدخل إليه بواسطة حواسه. وخاصة السمع والبصر فالذهن أي الشعور والفكر، يتكون من كل ما هو خارج عن الإنسان.

ويرى كمال جنبلاط أن الشباب وعي ناضج لمشاكل العصر ولقضايا الشعب بجميع فئاته الاجتماعية، ووعي للأساليب التي يجب اتباعها للوصول الى الهدف، ووعي للموازنة الصحيحة التي يجب أن نشكلها في الحفاظ على أفضل ما في الماضي وفي التقليد وما يمكن بقاؤه، وبين أفضل ما نستطيع أن نجنيه من التقدم ومن الحضارة المسيطرة.

ولكي يتحقق النضج المطلوب، ويستطيع الشباب لعب الدور المرغوب في قيادة المجتمع، يقول كمال جنبلاط، لا بد للشباب أن يرتقوا الى مستوى القيادة بعلمهم، بعقلهم، بمشاعرهم، بتوق إرادتهم، بصوابية تصوراتهم، بنضج فهمهم وجهد حياتهم.

ويتخذ كمال جنبلاط موقفاً قاسياً وصارماً من "هذا الشباب الذي يضيع اليوم في الميوعة الجسدية والشخصية وفي الانحلال الخلقي، وفي التقليد الأعمى لمتاهات الحضارة الغربية القادمة إلينا. فتلقفها كمن يريد أن يشغل فكره عن التفكير، والتأمل بمصير حياته وتعاسة قلبه وتشتت فكره. أو في هذا التخنفس والتأنث واستشراه صور الدعايات والملاهي والإذاعة والتلفزيون وسواها من ألاعيب وألعاب المدنية المادية السحرية، ثم في هذه الانتهازية للحياة والزواج وللمال".

وعن الدور الذي يفترض أن يلعبه الشباب في السياسة، وفي الحكم في لبنان يبدي كمال جنبلاط عدة ملاحظات أهمها: أن الشباب، كشباب في لبنان، لم يتوصلوا بعد الى توحيد مناهجهم والى تكوين طبقة فكرية جديدة في المجتمع اللبناني. ولا يزال معظمهم لا يتأثر بغير مصالح العيش المباشر وطلب العمل والانصراف الى اللهو في جميع أشكاله، ويبرر ذلك للشباب بالقول "من الطبيعي أن يكون الأمر كذلك، لأنه لا يعقل أن يسعى الإنسان الى ما يجهله. ومعظم شبابنا اليوم لا يبالون بشيء، أو هم آثروا الدروب السهلة في تقبّل كل ما قيل لهم من جانب أربابهم ومحيطهم".

وعن أسباب عدم تأدية الشباب اللبناني لدورهم في الحكم يقول كمال جنبلاط: "إن أنظمة التمثيل المعمول بها لا تمكّن الشباب الكفوء من الترشيح ومن الوصول الى مراكز الثقل والتأثير والقيادة بسبب القاعدة الطائفية المعمول بها في الانتخابات النيابية، هذا من جهة، ومن جهة أخرى لأن الشباب لم يقدم بعد بكثرتة على العمل السياسي المباشر بل هو يكتفي بالتأييد أو التحفظ أو الانتقاد أو التفرّج. ما يعوز شبابنا هو شعور أقوى وأعمق بالمسؤولية، وهذا لا ينمو ولا يتحقق إلاّ بنمو الوعي الاجتماعي والوعي السياسي والقومي، أي الاستيعاب المنهجي لأوضاع البلد ومعضلاتها وأساليب معالجة هذه المعضلات".

ومن أجل تأمين الظروف الملائمة لتمكين الشباب من لعب دورهم، يطالب كمال جنبلاط بإشراكهم في جميع الهيئات والمجالس الاجتماعية الجامعية والمدرسية والاقتصادية والمهنية. ويطلب من الشباب الانضمام الى الأحزاب بعد الاطلاع على مبادئها وبرامجها والتعرف على نوعية قياداتها.
كمال جنبلاط والعمّال
احتلت قضايا العمّال حيّزاً كبيراً في فكر كمال جنبلاط ونضاله منذ قرّر التعاطي في الشأن العام، وهو الساعي الى إقامة مجتمع الحرية والعدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص، مجتمع يتحقق فيه شعار "مواطن حرّ وشعب سعيد".

كان كمال جنبلاط رائداً في الدفاع عن العمال وحقوقهم، وقد سعى دائماً لتوحيد كلمتهم وتشكيل قوة ضاغطة عمالية قادرة على مواجهة سلطة كانت تنظر للعمّال نظرة استعلاء وعداء.

منذ أربعينات القرن الماضي، وبُعيد نيل لبنان استقلاله سنة 1943، طالب النائب الشاب كمال جنبلاط بوضع قانون للعمل يصون حقوق العمال. وفي العام 1949، بعد انضاج الفكر التقدمي الاشتراكي أعطى المعلم كمال جنبلاط لهذا الفكر هيكلية تنظيمية، فأسس الحزب التقدمي الاشتراكي، حزب العمال والفلاحين في لبنان، حزب المثقفين، وحزب كل مواطن ملاّك، وكل مواطن مالك لبيته. وللتدليل على أهمية موقع العمّال في فكره ونضاله، حرص كمال جنبلاط على أن يصادف تاريخ تأسيس الحزب الأول من أيار المخصص عالمياً عيداً للعمال بعد انتصارهم على سياسة القمع التي كانت السلطات في العالم الصناعي الغربي تمارسها ضدهم، وضد مطالبهم حماية لمصالح أرباب العمل.

وفي خطاب له ألقاه في بيروت في أول نيسان عام 1950 ، خاطب كمال جنبلاط حشداً عمالياً، داعياً إياهم الى خوض معركة النضال من أجل التغيير، وإقامة الديمقراطية الصحيحة، قائلاً: "إن على صوت العامل ومعوله ونضاله يبزغ فجر التحرر". ودعاهم الى الانتساب للحزب التقدمي الاشتراكي، حزب العمال والفلاّحين، كما أوجد في الحزب مفوضية للعمل أصدرت بمناسبة أول أيار سنة 1950، أول بيان لها هنأت فيه العمال بعيدهم ودعتهم الى النضال من أجل التحرر من الفقر والجهل والبطالة، وفي سبيل تأمين الخبز والعمل والعلم والحرية.

هذه المفوضية العمالية كانت تحظى برعايه وتوجيه دائمين من كمال جنبلاط. وبفضل هذه الرعاية وهذا التوجيه برز في الحركة العمالية قادة نقابيون اشتراكيون أمثال الرفاق: اسعد عقل، سليم قزح، سليمان الباشا، غالب نمور، بهجت ابو الحسن، عفيف جوني ولبيب ساحلاني...

وكان للحزب، بدفع من رئيسه كمال جنبلاط، اهتمام دائم بقضايا العمال، من خلال البيانات والمواقف والوقوف الى جانب العمال وحقوقهم، ومن أبرز المواقف نذكر: قضية عمال الدولة، وعمال الريجي والكهرباء والأفران، والمياه، وغندور وغيرها الكثير...

كما كانت لكمال جنبلاط كنائب مواقف نيابية مؤيدة للعمال وقضاياهم تجسدت بمشاريع قوانين للعمل، والضمان الاجتماعي، والبطالة، والأجور، والعطل العمالية المدفوعة، وأصول الصرف من الخدمة، والحق في إنشاء النقابات، وتشكيل مجلس مهني تمثيلي تتمثل فيه جميع الهيئات النقابية، وجعل عيد العمال عيداً رسمياًُ في لبنان. كما سعى لإشراك العامل في إدارة المؤسسة التي يعمل فيها، ودعا لبناء مساكن للعمال.

كذلك استطاع كمال جنبلاط أن يدرج قضايا العمال في برامج مختلف الهيئات والجبهات النيابية والحزبية والشعبية التي تعاون معها. كما كانت القضايا العمالية حاضرة دائماً في مختلف برامج عمل الحزب ودعايته السياسية.

وفي مطلع الستينات من القرن الماضي، وبالرغم من النهج المؤسساتي الذي اعتمدته الدولة في عهد الرئيس فؤاد شهاب، تأكد لكمال جنبلاط أن في السلطة وأجهزة الدولة إصرار على إبقاء الإجحاف بحقوق العمال، وضغوطاً على الحركة النقابية وتدخلاً سافراً في انتخاباتها بحيث لم تعد تمثل العمال بل السلطة وأرباب العمل. تجاه هذا النهج المعادي للعمال وحركتهم النقابية، وإصرار وزارة العمل على منع العمال ذوي التفكير اليساري التقدمي من حق تشكيل النقابات وممارسة العمل النقابي، تصدى كمال جنبلاط لهذه السياسة، وهو وزير للداخلية آنذاك، ورغم معارضة وزير العمل، ومنح النقابيين اليساريين الاشتراكيين والشيوعيين ترخيصاً بموجب القرار رقم 610 تاريخ 24 كانون الأول 1962، تأسست على أثره، وبتشجيع ودعم مباشر من المعلم، جبهة التحرر العمالي.

هذه الجبهة رسمت فور تشكيلها برنامجاً طموحاً للعمل يتماشى مع فكر المعلم كمال جنبلاط ونهجه، من أبرز نقاطه:
- بناء المجتمع على أساس الديموقراطية الصحيحة.
- إلغاء نظام الطائفية السياسية، وتحقيق العلمانية، واحترام حرية المعتقدات.
- تحقيق التأمينات الاجتماعية، وبناء المساكن الشعبية والتعاونيات للعمال.
- تأمين التعليم الإلزامي والمجاني في جميع مراحله، وتوحيد المناهج التعليمية.
- تخفيض كلفة المعيشة وتشجيع إنشاء التعاونيات الإنتاجية والاستهلاكية.
- فرض ضريبة تصاعدية، وتأميم المؤسسات العمومية، وتبني نظام الاقتصاد الموجه.
- إشراك العامل في رأسمال وإدارة المؤسسة.
- إيجاد قانون عمل تقدمي وقانون العقود الجماعية، وتشجيع إنشاء نقابات لجميع المهن.

وعملت الجبهة برعاية دائمة من كمال جنبلاط ودعم متواصل لخطواتها، على تطبيق ما حدّدته لنفسها في برنامج عملها. أقامت المهرجانات وشاركت في التحركات العمالية والاجتماعية والوطنية. وكان نشاطها فعّالاً ومقدراً من جميع العمال وأبناء الطبقات الشعبية.
كمال جنبلاط وقضايا المرأة
تنطلق نظرة كمال جنبلاط للمرأة وقضاياها، من نظرته للإنسان فهو لا يميّز في هذه النظرة بين الرجل والمرأة، فما يطلبه للإنسان ومن الإنسان واحد. إلاّ أنه يعطي للمرأة بعض الصفات التي لا تتوفر لدى الرجال.

ومن دراسة له عن الديمقراطية واحترام القانون والدستور والأخلاق. صدرت في جريدة الأنباء بتاريخ 3/8/1974، ووردت في الصفحة 82 من كتاب له عنوانه "الإنسان والحضارة" نستعير هذا القول:

"أعتقد بنظرتي الخاصة أن عند النساء صفات غير موجودة عند الرجال، فروح التضحية والصبر والاهتمام بالمسائل الاجتماعية موجودة عند النساء أكبر مما هي عند الرجال. فنساء عدّة حكمن، فكانت عندهن جرأة وشجاعة أكثر من الرجل. ولا شك في أن هناك وزارات في الدولة تنجح فيها المرأة أكثر من الرجل، ويمكن أن تكون في حقل القضاء أقل عرضة للتآثر بالشفاعات من الرجل. وعلينا أن نسهّل الطرق للمرأة في النضال والعمل الاجتماعي والخدمة العامة. واليوم السيدة نهرو (أنديرا غاندي) لعبت دوراً أهم وأصعب من دور والدها بالرغم من أنه كان عبقرياً وكذلك كان الأمر مع السيدة بندرانايكه في سيريلنكا، وغولدا مائير رغم بشاعتها.ولذا يجب إفساح المجال للنخبة النسائية بأن تلعب دورها أيضاً كالرجل."

هذا المنطق، وهذا الموقف من المرأة وحقوقها كان قد جسّده كمال جنبلاط، منذ العام 1951، بمشروع قانون بمادة وحيدة هذا نصه: "أعطيت المرأة اللبنانية الحق أن تكون ناخبة ومنتخبة للهيئات الاختيارية والبلدية والنيابية، على أن تتوفر فيها الشروط المفروضة للذكور، تضاف الى القوائم الانتخابية أسماء اللواتي تتوفر فيهن الشروط القانونية، عند تنظيم هذه القوائم بمقتضى النصوص المرعية." (جريدة الأنباء في 12/11/1951). وبالفعل، وبدفع من كمال جنبلاط صدّق مجلس النواب على هذا المشروع في العام التالي سنة 1952. وكان لبنان سبّاقاً في المنطقة العربية، في منح المرأة اللبنانية حقوقها السياسية.

أما على الصعيد الاجتماعي والأخلاقي، فقد دعا كمال جنبلاط الى التعامل مع المرأة بكل مظاهر الاحترام والتقدير فهي برأيه الشريك الكامل الشراكة في المسؤوليات والواجبات والحقوق. وهي الحبيبة والزوجة والأم والأخت، وبممارستها لكل هذه الأدوار تستوجب من الرجل الاحترام والتقدير.
ومن أجل أن تتمكن المرأة من تأدية أدوارها المختلفة بنجاح سعى لأن يفتح أمامها فرص الحصول على العلم بعد أن نشره في مطلع الستينات بتوسيع التعليم الرسمي في مختلف مراحله الابتدائية والثانوية والجامعية وهو الذي فرض الاهتمام بالجامعة اللبنانية وتوسيعها وزيادة فروعها واختصاصاتها، الأمر الذي أفسح في المجال واسعاً أمام المرأة للتعلّم واكتساب المعرفة والخبرة.
وكان يرى أن أهم دور للمرأة هو دورها كأم ومربيّة للأجيال الجديدة.

ومن مقابلة له مع لجنة حقوق المرأة في الشوف زارته في المختارة نقتطف:

"تستطيع المرأة اللبنانية أن ترشح نفسها لرئاسة الجمهورية وتمارس جميع المهن الحرّة. وباب الجامعات مفتوح أمامها، عليها أن تمارس حقوقها دون أن يحصل من جراء ذلك أي أذى للعائلة التي تنتمي إليها، أي دون أن تهمل أولادها... أتمنّى للمرأة أن تمارس حقوقها وحرياتها في المجتمع اللبناني بشعور عميق بالمسؤولية لأنه كما تكون المرأة يكون المجتمع إذا كانت المرأة فاضلة يكون المجتمع فاضلاً".
كمال جنبلاط المتمرد والثائر على التركيب الإجتماعي
تنطلق نظرة كمال جنبلاط للمرأة وقضاياها، من نظرته للإنسان فهو لا يميّز في هذه النظرة بين الرجل والمرأة، فما يطلبه للإنسان ومن الإنسان واحد. إلاّ أنه يعطي للمرأة بعض الصفات التي لا تتوفر لدى الرجالكمال جنبلاط هو بالطبع سليل عائلة عريقة لعبت ولا زالت دورا أساسيا في تاريخ لبنان والمنطقة العربية، غير ان كمال، ومنذ نعومة أظفاره نهج في حياته، على الصعيد الشخصي أولا، وعلى الصعيد العام ثانيا، نهجا مميزا عمّن تعاطوا الشأن العام من العائلات الكبرى. تميزت حياته بالبساطة والتعامل مع الآخرين تعامل الندّ للندّ، كان يتقاسم ما يحصل عليه من مال وغذاء، وأحيانا الكساء، مع أقرانه من الأولاد في المختارة، كما في المدرسة في عينطورة. وبعد بلوغه سن الرشد حرص، رغم الممانعة العائلية، على توزيع قسم من الأراضي التي تملكها العائلة على الفلاحين الذي يعملون فيها. وبحسه الإجتماعي المتنور طرح أمام المندوب السامي الفرنسي في لبنان جورج كاترو سنة 1941:
"مسألة القمح وتناقص السكّان في الأرياف وتزايد البطالة، ومسألة الخبز والعمل للجميع في العدل والكرامة، هما الإستقلال الحقيقي والحرية الحقيقية، للمواطن وللجماعة (ثورة الأمير الحديث صفحة 74 للدكتور خليل احمد خليل).
وفي مقالة له نشرتها جريدة " صوت الأحرار" في 3 كانون الثاني سنة 1947، كتب "لم تقم حتى الساعة في صلب الشعب اللبناني حركة سياسية تقدمية إجتماعية شاملة وعميقة من حيث نظرتها الفلسفية للوجود، تهدف الى إذاعة الأسس الفكرية الصحيحة للإصلاح المنشود، وتعميمها وجعل الشعب بأسره يعتنقها ويعمل على تحقيقها".

بدأ كمال جنبلاط كتمرد على الوضع وكمصلح إجتماعي في منطقة الشوف في الأربعينات من القرن العشرين، من خلال العديد من الوقائع نذكر منها:
- خصص ريع المطحنة في قصر المختارة لفقراء المختارة ومعوزيها.
- أسس ورش عمل لتشغيل العاطلين عن العمل تضمن لكل منهم أجرا يوميا بين 12 و 25 قرشا، إضافة الى كيلوغرام من القمح.
- نظّم نقل الحبوب من فلسطين ولبنان الى الشوف، ووضع مشروعا لتحسين زراعة الحبوب.
- وزّع على فلاحي قرية سبلين مئة هكتار من أراضيها بموجب عقود بيع قانونية مقابل ليرة لبنانية واحدة لكل قطعة أرض من مالكها الجديد.
- إهتمام كمال جنبلاط بمساعدة الفقراء جاء نتيجة لغضبه وإستنكاره لما شهده، في الحرب العالمية الثانية من غلاء، وإختفاء للمواد الغذائية، وتفشّ للفساد والفوضى، وعدم إهتمام من المسؤولين بأوضاع المواطنين الصعبة وتكديسهم ثروات خيالية على حساب الفقراء.

وأما الأسباب التي دفعت كمال جنبلاط الى التمرد والثورة والخروج عن النمط الإقطاعي في المجتمع الى المفهوم الإشتراكي فهي: السياسة الإقطاعية التي كانت سائدة، وإستغلال طبقة الإقطاعيين ملاّكي الأراضي والنفوذ والسلطة لطبقة العمال والفلاحين، وغياب العدالة التي تفرض التعادل بين المكافأة والعمل الفردي. فالتباين الإقتصادي الظاهر بين طبقة الإقطاعيين وطبقة العمال والفلاحين، دفعت كمال جنبلاط إبن العائلة الإقطاعية المثقف والمتواضع، لأن يحمل شعار الدفاع عن القضايا الشعبية والوطنية، بالإضافة الى سعيه لبناء المجتمع الأفضل.

ومع تأسيس الحزب التقدي الإشتراكي إمتلك كمال جنبلاط أداة فعالة للنضال والتحريك السياسي، وخطّ لنفسه وحزبه خطا نضاليا مميزا. ومن خلال تجاربه في الحكم وفي المعارضة، كما من خلال تحالفاته الظرفية، توصل الى قناعة عبّر عنها في كتابيه:"حقيقة الثورة اللبنانية" و "في مجرى السياسة اللبنانية: أوضاع وتخطيط"، وقدّم عرضا بالغ الوضوح للأسباب التاريخية لأزمات لبنان المتعاقبة، ولتعثر المشروع الوطني فيه. ومما قاله في هذا الشأن:" إن الطائفية السياسية وليدة الجهل في لبنان، وإن الكفاءة وحدها مقرونة بنظام للخدمة المدنية مستقل عن الأهواء وكفيل بحل مشكلة الطائفية السياسية في لبنان".

وفي مقالتين الأولى نشرت في جريدة النداء في 28/3/1952 والثانية صدرت في جريدة الأنباء في 28/3/1959، تناول كمال جنبلاط موضوع الطائفية في لبنان، ومما كتبه في هذا الشأن نقتطف" مشكلة لبنان الرئيسية كانت ولا تزال التفرقة الطائفية، التعصّب الطائفي، النضال لأجل إبقاء سيطرة فريق على الفريق الآخر، في الإقتصاد، في وظائف الدولة، في مجالات العناية الصحية ذاتها، في العلم، في كل شيء... وكان لا يزال يتوجب علينا جميعا ان ننهي عهد الإقطاعية الطائفية في لبنان، وان نقضي على فكرة وسيطرة طائفة على طائفة أخرى، وان نمحو من الوجود اللبناني، ونستأصل هذا المرض التعصبي ذاته من جذوره، وننشئ لنا وطنا من لبنان، ودولة علمانية تحترم مبادئ الدين، وتستوحي من روح الفضيلة والتدين ما يتناسب مع روح العصر، دولة علمانية أخلاقية، لا دولة علمانية إلحادية كعلمانية بعض دول الغرب". (عن كتاب لبنان... والجسر الوطني المقطوع صفحة 85).
كمال جنبلاط والدعوة الى الإصلاح في المجتمع
كمال جنبلاط، في كل ما كتب، وفي كل ما اطلق من افكار، وأرسى من نضال، كانت ثنائية الخبز والقيم ماثلة أمامه على الدوام. وهو القائل:"لا بد من توفير الخبز للإنسان، لكن هذا لا يكفي إذ لا بد من أن يكون توفير الخبز وسيلة لأن تعمر نفس هذا الإنسان بالقيم".

من هنا تأكيد المعلم الدائم على البعد الإنساني والإجتماعي في نضاله. فالعمل على تأمين لقمة العيش والعلم والصحة للإنسان، رأى فيها كمال جنبلاط إطارا يجب ان يتيح لهذا الإنسان تحقيق ذاته، وإنسانيته في مجتمع سعى المعلم جاهداً لإصلاحه.

كمال جنبلاط وزيراً كان، أم نائباً، ام قائداً سياسياً، ام مفكراً، هو هو ، نضال دائم من أجل الإنسان، من أجل الجماهير. لم يكن يتعاطى بقضايا الناس في لبنان بمجرد كلام العطف او التحريض والإثارة، بل كان يمسك بالوقائع ويبدع ويمارس الفعل، فيضع مشروعا، او يبتدع صيغة، او يجترح فكرة... وذلك كله من أجل الناس في هذا البلد.

عندما كان وزيرا للإقتصاد، او للداخلية، او للأشغال، او للتربية، كان عهده يتميز بوضع المشاريع وملاحقة تنفيذها. اما خارج الحكم، وهي الفترات الأطول في نضاله فكان يعبّر عن رأيه وأفكاره، ومشاريعه من خلال المهرجانات او الندوات الفكرية ، او المقابلات الصحفية، او المقالات التي اطلق الآلاف منها في الصحف ، وكان فيها كلها يواجه مشاكل الوطن والمجتمع والناس في هذا المجتمع.

ومن مراجعة مواقف كمال جنبلاط، في مختلف مراحل نضاله، يتبيّن ان إصلاح المجتمع كان من الضرورات الملازمة لهذه المواقف. وكانت الدعوة الى الإصلاح في المجتمع حاضرة في كل البيانات والمطالبات الصادرة عن الحزب التقدمي الإشتراكي، ام عن الجبهات النيابية والحزبية والشعبية التي شكلها او شارك فيها.

فإلى ماذا دعا كمال جنبلاط لإصلاح المجتمع؟
من كتاب له عنوانه: "مختارات من أجل المستقبل" في الصقحات 50 الى 53، ننقل رؤية كمال جنبلاط للإصلاح الإجتماعي وتنظيم المجتمع في لبنان.

1- في تنظيم المجتمع:

العمل الاجتماعي الاجباري: يكون اعتماد العمل الاجتماعي الاجباري، امتداداً لاختيار مصلحة الانعاش الاجتماعي وتجربة بعض الأحزاب وفي طليعتها الحزب التقدمي الاشتراكي والهيئات، وسيلة لتهذيب المواطن اللبناني ولإعادته الى نطاق حياته الطبيعية.

2-في التعليم:

- تعميم التعليم الإلزامي في المرحلة الابتدائية وتوسيع نطاق التعليم الرسمي الثانوي.
- أحداث مصلحة لتوجيه التعليم الأساسي وللتخصص وفق حاجة البلاد للتنمية والتطوير.
- تأمين مجانية التعليم العالي للمتفوقين.
- تعميم المدارس المهنية خصوصاً في الأرياف.
- توحيد برامج التعليم والكتب المدرسية، وتحديد الأقساط المدرسية وأسعار الكتب.
- تعزيز الجامعة اللبنانية واستكمال فروعها وتأمين التعليم الجامعي باللغة العربية حيثما تفي اللغة بهذه الغاية.

3-الضمانات الاجتماعية والصحية:

- تحقيق الضمان الاجتماعي وتوسيع نطاقه بحيث يشمل العمال الزراعيين والفلاحين في الأرياف وسائر الفئات الفقيرة والمتوسطة في المدن ويتناول ضمان العجز والشيخوخة والبطالة المهنية المؤقتة.
- تعميم الهيئات الطبية في جميع أنحاء البلاد لتفقد الحالة الصحية باستمرار.
- وضع قوانين صارمة تقي الصحة العامة من الغش في المواد الغذائية وتقوية أجهزة المكافحة.
- إيجاد حل سليم لمشكلة الأدوية على ضوء التيارات المختلفة توصلاً لتأمين الدواء الرخيص لجميع المواطنين وخاصة بتأميم عملية استيراد الأدوية ووضع رقابة فعالة على تعددها ونوعها وأسعارها.
4-في العمل:

- تعديل قانون العمل بحيث يضمن سرعة الفصل في قضايا العمال.
- إلغاء الفصل التعسفي وإخضاع الفصل الى مجلس تأديبي يتألف من قاض رئيس وممثل عن المؤسسة المهنية وممثل عن عمال المهنة تختاره النقابة المختصة.
- إنشاء نقابة واحدة لكل مهنة يجبر العاملون فيها على الانتساب إليها.
- توحيد اتحادات النقابات العمالية باتجاه واحد.

5-في الأسرة والقرية:

- تقوية فكرة الأسرة بالتشجيع على الزواج الباكر بإسهام الدولة بتوفير مساعدة على الأقل لمدة معينة للعائلة الناشئة وتنظيم مسألة النسل وتنقيته.
- تنقية الجو الاجتماعي ومتابعة الحملة على الفساد والإفساد والخلاعة التي أصبحت خطراً شديداً على حياتنا القومية وعاداتنا اللبنانية العربية السليمة وعلى معتقداتنا ومجتمعنا.
- اعتبار الطبابة والصيدلة والمحاماة مهنة اجتماعية ومسؤولية اجتماعية وتنقيتها من الفوضى والتصرف الاعتباطي والاستغلال الفردي فلا يمارسها إلا الأكفاء خلقياً ومسلكياً ومقدرة.
- تنظيم أساليب الترفيه والتسلية البريئة للشباب اللبناني بشكل يوحي بالنشاط والفضيلة ويبعد المواطن عن مفاسد المدنية الزائفة وانجذاباتها، وتنقية جو السينما والتلفزة.
- إعادة التوازن بين سكنى القرية والمدينة بنهضة منهجية بالقرية تتحقق بتشجيع الحرف المحلية وتوزيع الصناعات على مختلف المناطق ولا سيما المتخلفة منها وتنمية المرافئ والمدن الأخرى الداخلية.
- متابعة سياسة إنعاش الأرياف بإنشاء الطرق وتأمين الماء والكهرباء وتسليم إدارتها الى البلديات أو اللجان المحلية وتقوية وصاية ممثل الدولة عليها.
- توفير الاعتمادات لإنشاءات سكنية في المدن والأرياف تقوم على قاعدة توفير المواد الأولية أو الأرض وتقضي على الحرمان والتخلف السكني المتفاقم عملاً بمبدأ "كل مواطن مالك بيته".
- تشجيع البناء بالحجر وفق التصميم الشرقي حفاظاً على طابع البلاد السكني واستصدار تشريع لأجل ذلك.

6-السجون:

- إصلاح السجون إصلاحاً شاملاً يشمل البناء والنظام والمعاملة فتحتفظ السجون بطابع العقاب وتكون في آن واحد وسيلة للعلاج من داء اجتماعي ونفساني عن طريق التأديب والتثقيف الروحي والرعاية الطبية والاجتماعية.
- إنشاء مصانع للسجون توفر للسجناء تعلم الحرف والاكتساب منها.
- تعميم إصلاحيات الأحداث على أسس تربوية.
مفهوم جديد للديمقراطية
"الديموقراطية, بالنسبة لكمال جنبلاط، نظام عقلاني و انساني، يرتكز على احترام حقوق الانسان و تقدير واجباته، و هو انتصار بحد ذاته لمبادئ المساواة و العدل و الاخوَة البشرية، و الكرامة الشخصية" (كمال جنبلاط – كتاب من أجل المستقبل صفحة 257).

و الديموقراطية، يقول كمال جنبلاط، واجب و التزام بالنسبة الى الحاكم و الادارة، كما هي واجب و التزام بالنسبة الى المواطن.

و الديموقراطية، كما ورد عنها في ميثاق الحزب التقدمي الاشتراكي، هي نتيجة لتبني فكرة التطور على اطلاقه، و هي ترتكز على اتجاهي التطور: و هما الوعي و الحرية من جهة، و الجماعية من جهة ثانية. و هي تجمع بين نقيضين: النظام و الحرية، الاخلاق والقانون، العمل و التأمل، المادية و التجريد ...

الديموقراطية التي سيبنى عليها المجتمع يجب ان تكون تحت اشراف توجيهي غير متحكم من الدولة بحيث تؤمن حقوق الانسان و المواطن بسنَ دستور يستند على تفريق السلطات، تأمين دستورية القوانين بواسطة القضاء، رفض مطلق للحكم العسكري، ومساواة الرجل و المراة في الحقوق المدنية و السياسية، و تأمين تمثيل النخبة، و تأمين قضاء نزيه مستقل عن كل تأثير سياسي، يكون أقدس ملاذ للحقوق و للحريات الشخصية ...

و بشأن الديموقراطية السياسية، رأى كمال جنبلاط انها لا تتحقق بدون تعدد الأحزاب في المجتمع الواحد، و يعبر عنها عن طريق عملية الاقتراع الذي هو المصدر الاول للتعبير عن الحرية السياسية. هذا التعبير الحر يتم التوصل اليه باساليب علمية وتثقيفية و تدريبية من خلال ديموقراطية التعليم التي تعني إتاحة فرص التعلُم للجميع وفق مناهج للتدريس تفتح و تنمِي القدرات الطبيعية في الانسان، و تنمِي حريته الداخلية و الأخلاق في سلوكه و إشاعة ااصدق في مسلكه ...

و ربط كمال جنبلاط بين الديموقراطية السياسية و الديموقراطية الاقتصادية باعتبارهما جانبين من حياة الانسان، و ذلك عبر تضمين كل منهما نظرة انسانية، فالديموقراطية السياسية هي علمانية الدولة، علمانية أخلاقية جوهرها ديني و ليس شكلها، والديمقراطية الاقتصادية هي أيضا اجتماعية فهي تكون بتحرير الانسان من كل اشكال التبعية للدولة و النظام، و تكون بتشجيع النظام التعاوني و اطلاق حرية العمل النقابي، و تأمين شروط التربية، و العناية الصحية، و البيئة السليمة.

و في ذلك قال كمال جنبلاط (في كتابه، من أجل المستقبل صفحة 240) "إن تطوير الديموقلراطية لا يحصل الا بتطوير الاوضاع الاقتصادية و الاجتماعية باتجاه الغاء النظام الرأسمالي الفردي و الاستعاضة عنه بالنظام التعاوني الجماعي الاشتراكي".
مفهوم جديد للاشتراكية
ان المبادئ التي على اساسها تاسس الحزب التقدمي الاشتراكي، على يد كمال جنبلاط و مجموعة من المثقفين اللبنانيين هي حصيلة استقراء شامل في المذاهب الاشتراكية التي عرفتها الساحة العالمية و المجتمعات الانسانية. و قد أضفى كمال جنبلاط على هذه الاشتراكية نزعته الانسانية و حبه للناس، بهدف بناء دولة تقدمية اشتراكية علمانية ديموقراطية تسود فيها المساواة الجوهرية بين المواطنين.

و قد جاء في كتاب التثقيف الاعدادي، طبعة 1980، الصفحة4 :

"ان التقدمية الاشتراكية هي حركة اجتماعية و سياسية ترمي الى بناء مجتمع و نظام حكم على ثلاثة اسس:

  1. التقدمية، اي اختيار الصالح من اختبار الانسان في مختلف الحقول.
  2. الاشتراكية، و هي نظام اقتصادي و اجتماعي يهدف الى تحقيق العدالة الاجتماعية و المساواة في المبادرة بالعمل.
  3. الديموقراطية التي هي نظام حكم الشعب للشعب بواسطة الشعب."
و يرى كمال جنبلاط أسبابا كثيرة تدفع بالعالم نحو الاشتراكية، منها التباين الظاهر بين أوضاع الاقتصاد المتطور و بين الأنظمة القانونية القائمة. هذا التباين يولد فوضى في الانتاج و يسبب الأزمات الاقتصادية، و من ثم وعي الفئات العاملة على حالة استغلالها و ادراكها ان في كل كائن بشري قوى طبيعية تؤهله للعمل و الانتاج كغيره ممن يسيطرون على وسائل الانتاج والتبادل.

و يميز كمال جنبلاط ايديولوجيته الاشتراكية عن الايديولوجيتين الكبيرتين الموصوفتين بالتطرف: الايديولوجية الرأسمالية المبالغة في هيمنة الفرد و رأس المال و في إعلائهما، و الإيديولوجية الشيوعية المبالغة في حقوق الجماعات الطبقية و في الحد من الحريات السياسية و المعرفية.

و تبرز لدى كمال جنبلاط رغبة واضحة في تخطي الرأسمالية و الماركسية في المنهج و في النظرية الى اشتراكية جديدة متجاوزة لعيوبها المادية تغرس جذورها مجددا في المستوى الروحي و دون ان تنسى قانون الجدلية. و يقول كمال جنبلاط في كتابه: "نحو اشتراكية أكثر انسانية، صفحة 15" : "أصبحت الضمائر الآن شبه مؤهلة لاختبار ديموقراطية اشتراكية، أو بكلام آخر اشتراكية أكثر انسانية و أكثر تفهما، اشتراكية عقلية معتدلة، اشتراكية بعيدة عن التحجر العقائدي و أقل صورية، بعيدة عن الستالينية المكروهة، اي باختصار اشتراكية اختبارية تعمل على انصهار الانسان في كليته وتعيد صلة جذورها بالتاريخ وبالروح."

و يضيف كمال جنبلاط، في كتابه "الماركسية و الاشتراكية، الصفحة 210-212" : "و في التطبيق نرى ان الاشتراكية – و هي القالب الاقتصادي للتقدمية الجماعية، بالنسبة الينا، ليست الكل بالكل كما في الماركسية، بل هي نتيجة تبني الحزب فكرة التطور على إطلاقه - تعتمد على أسس ستة:

  1. التوجيه، لا الحرية المطلقة، في حقل الاجتماع و السياسة و الدولة، و هذا يعني تصميم الأهداف و تصميم النهج لبلوغها، أي بالتالي التخطيط.
  2. اعتماد و تطبيق مبدأ الانتاج على اساس الحاجة – حاجة جميع المواطنين طبعا – لا على اساس الربح. و هذا الأمر لا يتعارض مطلقا مع المبادرة الخاصة ومع العمل لأجل توفير الدخل الفردي الضروري لكل مواطن منتج. و هكذا فإن رغبة المواطن في ان يعمل لاجل نفسه و عياله تتجه و تتكامل و تمتد في رغبته الاجتماعية في ان يعمل لاجل الآخرين و تلبية حاجاتهم.
  3. جعل وسائل الانتاج و التمويل و التسليف- الصناعة و الزراعة و الحِرَف و الخدمات و المصارف – تصبح وسائل اجتماعية للانتاج، لا وسائل فردية فقط للعيش، وذلك بتطبيق مبادئ التملك العمومي او التملك الاجتماعي و تحقيق تعاونيات الانتاج و إشراك الدولة و سواها من اشكال التوجيه الاجتماعي للانتاج.
  4. اعتماد العمل اساسا للانتاج و مرتكزا للدخل. فلا دخل لا يقابله جهد او عمل، و ذلك ابعادا لآفة الكسل و الطفيلية والاستثمار و الاستغلال عن الجميع.
  5. اعتماد قاعدة توزيع الانتاج على المستهلكين وفق قاعدة الكفاءة والاستحقاق ثم الحاجة.
  6. تنفيذ الضمانات الاجتماعية كافة، الشاملة للسكن و العلم و العيش و المرض و العجز و البطالة و سواها، و جعل جميع الخدمات الاجتماعية وظائف اجتماعية شاملة تخرج عن نطاق الاستغلال و الاستثمار."
مفهوم جديد للقومية العربية
هذا المفهوم يتميز بتقدميته ومعارضته للمفاهيم التقليدية في الفكر السياسي والحزبي العربي المعاصر، و" يتبنّى نظرية في القومية تتنكّر لكل فكرة تقوم على القوة وإستثارة الفرد والجماعة، لبناء أمة نزعتها الإنكماش على ذاتها، والعصبية المفرّقة الحقود، والإتساع على حساب غيرها من الجماعات (ميثاق الحزب صفحة 11-12)".

ويعرّف القومية بأنها "وعي المتحد الإجتماعي البشري لوحدة تفاعله وتميزه ومصيره، فالقومية هي بالنسبة للمتحد كماهية الشخصية بالنسبة للفرد (ميثاق الحزب صفحة 37). ويؤكد كمال جنبلاط "أن القومية لا يمكن أن تكون مطلقة فهي مفهوم معنوي نسبي بين الشعوب، فلا توجد إذاً سيادة وطنية مطلقة بل سيادة نسبية، وإذا أدركناها من هذا المنظار بَطُلت القومية أن تكون أداة للتناقض والتعاكس وإنماء العداء، وأضحت فقط أداة للتعبير عن التنوع والتمييز البشري الإجتماعي العارض (الميثاق صفحة 37)".

القومية، من هذا المنطلق، تصبح كغيرها من الظواهر خاضعة لمنطق التطور والتغير لتتوافق مع تقدم المجتمعات البشرية، وتصبح واعية لإنسانيتها. وإنطلاقاً من هذا الفهم الإنساني التقدمي المميز للظاهرة القومية، إستخلص كمال جنبلاط نظرته إلى القومية والوحدة العربية، وإعتبر " أن التطور يتجلى من خلال نزوع الحركات القومية العربية إلى التكون والتوحد في كيان سياسي مميز بتفاعلاته وتراثه الثقافي ومصيره وضرورة تطوره الإجتماعي، وإن هذه الوحدة سترتدي، على الصعيد السياسي شكل إتحاد فدرالي ديموقراطي لا مركزي، سيمكنه من الحفاظ على تنوع الشخصية العربية القومية ... ومما لا شك فيه أن مسار هذه الوحدة بين العرب يشمل لبنان، ويستلزم إنشاء سوق عربية مشتركة وشبكة مواصلات برية عربية ووحدة عسكرية، وتقارباً تربوياً"، وتنشيط المبادلات الثقافية ... هذا الإتحاد العربي يتطلب، قبل كل شيء، الفصل التام بين الدين - ومن باب أول بين الطوائف - والدولة على إعتبار العلمانية قاعدة جوهرية لقيام المجتمع العربي المقبل، ولإنشاء الدولة القومية المقبلة ومؤسساتها (أضواء على القضية القومية- كمال جنبلاط - صفحة 173)".

مفهوم جديد للعلمانية
في افتتاحية له نشرتها جريدة "الانباء" 22/3/1975، حدد مفهوماً للعلمانية يختلف عن المفهوم السائد لها عند الكثيرين في العالم، فماذا قال حول هذا الموضوع؟

قال كمال جنبلاط أن "العلمانية مفهوم وشعار كالديمقراطية، وكالاشتركية بحد ذاتها، وكسائر المفاهيم السياسية، ان جرّد عن حقيقة الانسان وواقعه، انقلب صنماً وارتد ارتهاناً، وأضحى في موقع الضلالة بالنسبة للمواطن... هكذا هو شعار العلمانية المحض: فيجب ان لاتكون اسطورة نفسية وخدعة سياسية. انما علينا أن نكتشف محتواها الحقيقي في ما تنبع منه من مطلب حقي – تقدمي فعلاً – في الانسان".

فما هو المحتوى الحقيقي للعلمانية عند كمال جنبلاط؟

يقول كمال جنبلاط: "علمانيتنا في الحزب التقدمي الاشتراكي نراها في الانسان، ولا نرى الانسان فيها. فهي تتميز عن مفهومها في الغرب الديمقراطي وعن مفهومها في العالم الشيوعي، فهي تقوم في الغاء الطائفية السياسية، وفي ابطال التمييز بين مواطن ومواطن آخر، وفئة اجتماعية وفئة أخرى بالنسبة لمعتقده ومعتقدها.

ولكن هذه العلمانية التي نتبناها، تلتزم بالقيم المعنوية والروحية التي أبدعها تطور الانسان التاريخي، والتي تجلت، بشكل رئيسي، في تعاليم الاديان وشرعتها الخلقية، وفي محاولة الانسان المستمرة التفتيش عن الحقيقة الاخيرة في نفسه، وفي الاخرين، وفي الدنيا، ولو ألبس هذه الحقيقة الف زي وثوب، ولو جعل منها، في توقه اليها، تتلبس الف صنم، ولا نزال على نهجنا وعاداتنا، نلبس الحقائق الاجتماعية والسياسية، ومنها الايدولوجيات، ثوب الاصنام".

ويضيف في مكان لآخر: "من هذا التوجه والادراك للانسان التاريخي، وللانسان الحقيقي فينا، يتوجب علينا – عبر الاصنام وصنميات الاعتقادات العادية - أن لا نهمل هذا التراث الروحي والمعنوي والخلقي المهذب والمستعلي بالانسان، والذي تحقق عبر التاريخ".

ويلاحظ أنه: "لا يصح أي نظام للحكم، ولا أي نهج حياتي للفرد وللجماعة، بدون هذا الاستشعار بحقائق وشرائع هذا العالم المعنوي للانسان، وبالتمثل به علمياً، وبتحقيق ثوابته الدائمة. ودون هذا القران، يكون كل بناء اجتماعي وسياسي ومعنوي آفة وبطلان وخسارة، اليس الضوء أهم في الاعتبار من الاغراض التي ينيرها؟! أوليس الانسان – ككائن معنوي – أهم من العقائد السياسية ومن الحضارة التي نلبس أثوابها؟! ولا يفيد أن "نكسب العالم وأن نخسر أنفسنا" أوليس هدف جميع الانظمة والمفاهيم والشعارات والايديولوجيات ترقية الانسان المعنوية والروحية في نهاية المطاف، ورفع الارتهان ما أمكن عن كاهل فكره ونفسه؟!"

ويختم كمال جنبلاط رؤيته للعلمانية بهذا القول: "الانسان خلق لكي" يحيا"، لا لكي يعيش. فلا جهد دون قصد، ولا مقصود دون قاصد. فالعلمانية "تكون تقدماً"، اذا احتوت تراث الانسان، ومقاصد ارتفاعه، وصبوة اشتياقه الى انسانيته وحقيقته، وتكون جهلاً وتأخراً اذا هي تنكرت لحقيقة هذا الانسان وضرورة تطوره في سياق تراث التاريخ وتراكمه وتوضحه. علمانيتنا هي علمانية الخير المعنوي لاعلمانية الجهالة".

روح الحرية والعدالة... العدالة الاجتماعية
في كتابه "الانسان والحضارة" صفحة 109، أعلن كمال جنبلاط ضرورة تحقيق العدالة الاجتماعية في المجتمع التقدمي الاشتراكي. وتساءل: ما هي العدالة الاجتماعية؟ وقبل أن يجيب عاد الى التاريخ ليتوقف عند شعار "الحرية والاخوة والمساوة" الذي رفعته الثورة الفرنسية سنة 1789، وعنها أخذته الثورات التي تلت في أوروبا والعالم.

وهو الشعار الذي ألهب حماسة الجماهير وعواطفها الى درجة تناسى فيها الناس المرتكز الاول لهذه الحرية ولهذه الاخوة ولهذه المساوة، أي مبدأ العدالة، ويقول كمال جنبلاط بهذا الصدد: "أضحت هذه الكلمات من جراء هذا التناسي، جوفاء، ضافرة، مجردة من معناها الحقيقي. فالحرية بدون عدالة فوضى مستهترة وظالمة بالنسبة للاخرين. وحرية المرء في المجتمع وفي الدولة يحدها حق الاخرين بالتحسس بحرياتهم. والاخوة بدون عدالة هي شعورية أم عاطفية غير مدركة لما تقصد ولما تفعل، أقرب من انجذابية الحيوان بعضه لبعض من حب الانسان البصير المدرك لواجبته واحقوق الاخرين... هي غريزة حيوانية وليست عاطفة بشرية... لان الحب الانساني الحقيقي الذي يجمع بين الشتيتين ويقرب بين الحاقدين، ويوحد بين شخصين، لاينفصل عن العدالة، ويقرب بين المتحاقدين، ويوحد بين شخصين، ولا ينفصل عن العدالة، وان تعداها في بعض مراحل اكتناه الحقيقة واستكشاف الذات".

وفي كلمة له ألقاها في احتفال واشنطن الذي ضم السفراء العرب وكبار الشخصيات الاميركية وأرباب الجالية اللبنانية في 2/7/1954، تحدث كمال جنبلاط عن روح الحرية والعدالة فقال: "ان كنا نسعى في سبيل تحقيق الديمقراطية، أي حرية المرء في تقرير ذاته ومصيره، فما ذلك الا لاننا أحرار في أعماق كياننا، أحرار في حقيقتنا، أحرار في وجودنا... ولاننا نؤمن أيضاً بأن الحرية قنطرة وجودنا الاساسية، نرى أن روح الحرية – الشعور بالحرية – هي أهم بكثير من ممارسة الحرية، أهم من الديمقراطية ذاتها، فمن يعتر نفسه حراً فهو حر في الحقيقة، ومن يعتبر نفسه مقيداً يظل مقيداً. كما يفكر الانسان كذلك يكون...".

ويضيف كمال جنبلاط: "وان سعينا في سبيل العدالة - العدالة الكاملة - العدالة كما يجب أن تطبق على تمامها وصوابيتها في حياة كل يوم، فانما ذلك لاننا نشعر باننا لانستطيع أن ننقذ أنفسنا اذا لم ننقذ الاخرين، وبأن الطريق هو واحد: طريق العبدة أو طريق خدمة البشرية. المهم في نهج الحياة أن نخرج من أنانيتنا... العدالة في هذا: أن يكون (في العمل وفي التفكير وفي الشعور) أقل ما فيك (اي من انانية) وأكثر ما في الاخرين (أي من حقيقة حاجة الاخرين)... وعكس العدالة هو أن تكون أكبر ما فيك وأقل ما في الاخرين... العدالة والحب اذ ذلك يصبحان واحداً، بوصفهما الحجاب المضيء لما نحن عليه في حقيقتنا". (كتاب الانسان والحضارة صفحة 111 - 114).

روح الحرية والعدالة... العدالة الاجتماعية
أولاً: لماذا انا اشتراكي ؟

يقول كمال جنبلاط (في كتابه " ثورة في عالم الإنسان صفحة 7-9") انا اشتراكي لأنني احب العدل والإخاء والحرية ، لأنني أشعر إن عدلت مع غيري فكأنني عدلت مع نفسي ، وإن ظلمت غيري ظلمت نفسي. انا اشتراكي لأنني أنزع الى التوافق مع الجميع والإنسجام الشامل الذي يجب ان يحلّ بين الناس وبين ما اعترف لهم به القانون والشرعة الطبيعية من حقوق ، هذا الذي نسميه عدالة...

" أنا اشتراكي ، لأنني أعتقد أنّ العمل بدون رأسمال لا يقوم ... والرأسمال لا تنفذ إمكانياته ويظل مجرّد طاقة الى ان يتحوّل الى عمل ... فالعمل لا يمكن ان ينفصل عن الرأسمال... ولكن هي الطبقية – طبقية العامل وطبيعة رب العمل – التي فصلت وميّزت بين الرأسمال وبين العمل.

" أنا اشتراكي لأنني أؤمن بأن الشر كل الشر ، والخطيئة الاولى ، في النظم الشيوعية وفي النظم المسماة بالرأسمالية الفردية ، هو في الفصل الإعتباطي بين الرأسمال وبين العمل ، هذا الفصل الذي كرّس افضلية فئة على فئة" في هذا النظام ، وأفضلية فئة على فئة ، في ذاك النظام".

ثانياً: لماذا الحزب التقدمي الإشتراكي ؟

يبرر كمال جنبلاط تأسيس الحزب التقدمي الاشتراكي بالقول : "الحزب وليد رغبة الجماهير الشعبية في لبنان والشرق (من كتاب له "الماركسية والإشتراكية صفحة 173") ، ويضيف في الصفحة 175 من المرجع ذاته " إن الحزب التقدمي الاشتراكي هو حزب الأحرار الذين يريدون التحرر لنفوسهم ولذويهم ، وينشدون الإنعتاق لمجتمعهم وهو قبل كل شيء حزب العمال والفلاحينن والمزارعين وأرباب الحرف ورجال الفكر والمهن الحرة، والعناصر الواعية والمخلصة من البورجوازية الوطنية...

"هو حزب السواد الأعظم من الجماهير والأكثرية السابقة من الشعب التي تشعر ضمناً بحقوقها الطبيعية وبعدالة نزعاتها وبحقها في الحياة والتحرر من الفوز والبؤس والقلق والجهل ، وبأنه آن لها ان تطمئن الى مصيرها والى مصير العائلة والاولاد والجماعة البشرية التي تنتمي اليها... "إن الحزب التقدمي الاشتراكي مظهر لهذه الحقوق الطبيعية وللنزعات الإنسانية ، ولهذه العدالة الفطرية التي يتحسس بها الشعب في صميمه والتي ترمي الى بناء مجتمع على اساس الديمقراطية الصحيحة تسود فيه الطمأنينة الإجتماعية والعدل والرخاء والسلم والحرية ، ويؤمّن حقوق الإنسان ، فيقوم إذ ذاك نظام اجتماعي إقتصادي جديد على اساس المبدأ البديهي الوارد في ميثاق الحزب: لكل امريء قدر استحقاقه وحاجته...

"إن الحزب التقدمي الإشتراكي هو إذاً حزب الشعب ، وهو فريد من نوعه في أنحاء الشرق ، إنهم الحزب الوحيد الذي يوصل الى شاطيء الخلاص".

وفي ندوة تثقيفية ، أقيمت في سوق الغرب بتاريخ 27 ايلول 1964 حدّد كمال جنبلاط رسالة الحزب لاتقدمي الإشتراكي على أنها "رسالة التنوير الوادع لا التنفخ المريض المكابر... رسالة الوعي المتصل بآخر نتائج العلم ، وبالإختبار البشري الكامل ، وبالعرفان المتجلي في الحاضر ومنذ أقدم أحقاب التاريخ. هي نتاج تنقيب وتمحيق دائم واطلاع دائب ودرس متعمق متابع ... على ان وعينا لحقيقتنا وحقيقة قضيتنا وحقائق هذا المجتمع التي يرتكز عليها نموّه وتطوره هو الكفيل بأن يسدّد خطانا ويجعل فينا القدرة على متابعة السير ، وعلى التميز بين العاطل والصالح والجيد والفاسد والغثّ والطيب ، ويوحي لنا مكنة الإنتماء ، ومن لم تكن روح النصر فيها ، فكيف يستطيع ان يستعيرها او يأخذها من غيره ؟ ومن لم يكن قد اتصل ، في اعماق اعماقه ، بروح التطور الحي ، بروح الحياة ، بنور الوجود الذي تنزل فيه او استشفه ، من خلال استطلاعه ، فكيف يستطيع ان يحتضن في نفسه روح الثورة الحقيقية ، روح النصر؟ (من كتاب ثورة في عالم الانسان ، صفحة 30-31).

ثالثاً: لماذا التعاون مع الأحزاب الاخرى؟

أدرك كمال جنبلاط منذ بداية عمله في السياسة اهمية إقامة التحالفات مع القوى الحزبية من اجل تحقيق اهداف معينة سياسية وانتخابية واجتاعية وفكرية و... وهكذا رأيناه في سنة 1947 يقيم تحالفاً انتخابياً مع كل من حزب الكتائب اللبنانية والحزب السوري القومي الاجتماعي بهدف توجيه ضربة قاضية لمحترفي السياسة في لبنان الى اي جهة انتسبوا (جريدة البشير البيروتية في 8 ايار 1947).

وفي السنة ذاتها (1947) جرت حوارات فكرية بين كمال جنبلاط وقيادة الحزب السروي القومي الإجتماعي، أبدى خلالها انطون سعادة استعداده لتعديل دستور حزبه بثاء لملاحظات كمال جنبلاط ، وعرض عليه منصب نائب الرئيس ولكن كمال فضّل العمل لتأسيس حزبه التقدمي الإشتراكي سنة 1949؟

وفي العدد السنوي الصادر عن دار النهار سنة 1950 حدّد كمال جنبلاط التيارات الفكرية السياسية في لبنان آنذاك بسبع تيارات:

  1. الفكرة الإستقلالية .
  2. الفكرة العربية.
  3. الفكرة السورية .
  4. الفكرة اللبنانية .
  5. الفكرة الإسلامية.
  6. الفكرة الإجتماعية.
  7. تيار الثقافة والدبلوماسية والسياسية.


ولاحظ ان هذه التيارات تتوزع على ثلاثة محاور

  1. الموقف من الغرب :
    • تيار متأثر بالغرب بمختلف تلاوينه الفكرية .
    • تيار رافض للغرب ولكل ما يصدر عنه.
  2. الموقف من الكيان اللبناني :
    • التيار القومي اللبناني ذي الصيغة المارونية .
    • التيار القومي العربي ذي الصفة الإسلامية.
  3. الموقف من قضايا الإنسان والمجتمع :
    • تيار ليبرالي .
    • تيار اشتراكي.
    • تيار مجتمعي.


وبعد تأسيسه الحزب التقدمي الاشتراكي (سنة 1949) . ادرك كمال جنبلاط ان حزبه لم يكن وحده على الساحة اللبنانية والعربية والدولية ، وان هناك أحزاباً وتنظيمات اخرى ذات الأهداف المتعددة والمتباينة والهادفة جوهرياً الى الوصول الى السلطة ، فتحالف مع بعضها وتعاكس مع البعض الآخر. وكانت هذه التحالفات مع الاحزاب الاخرى تأخذ اشكالاً ودرجات مختلفة تبعاً للهدف المعلن للتحالف من جهة، وللعلاقة التنظيمية بين اطرافه من جهة اخرى.

  • التحالفات مع الأحزاب اللبنانية

    تعدد تحالفات الحزب التقدمي الإشتراكي مع الأحزاب الأخرى الناشطة على الساحة اللبنانية ، تبعاً لكل مرحلة من مراحل نشاطه. واتخذت في معظم الاحيان الشكل الجبهوي الذي يضم عدة احزاب ، وكان ابرزها ، وفقاً للتسلسل التاريخي :

    1. لجنة الأحزاب المؤتلفة (1949-1950)
    2. الجبهة الاشتراكية الوطنية(1951-1953)
    3. الجبهة الاشترتكية الشعبية (1953)
    4. مؤتمر الاحزاب (1953-1958)
    5. جبهة الاحزاب والقوى والشخصيات الوطنية والتقدمية في لبنان (1965-1967)
    6. تجمع الأحزاب والفئات التقدمية (1969)
    7. الاحزاب والقوى الوطنية والتقدمية (1969-1971)
    8. لقاء الاحزاب ولاقوى الوطنية والتقدمية – الحركة الوطنية – (1972-1976).
    9. اما الاحزاب التي شاركت واحد او اكثر من هذه التحالفات فهي : الحزب الشيوعي – منظمة العمل الشيوعي – القوميون العرب – البعث الاشتراكي – الكتائب اللبنانية – الكتلة الوطنية – الهانشاق – الحزب السوري القومي الاجتماعي...


  • التحالفات مع الأحزاب العربية

    سعى كمال جنبلاط ، من خلال رئاسته للحزب التقدمي الاشتراكي ، لإقامة تحالفات حزبية على مستوى العالم العربي. وقد تعددت هذه المحاولات ، وكان بعضها ثنائياً وبعضها الآخر تعددياً. وابرز تلك المحاولات كانت :

    1. المؤتمر العام للاحزاب العربية الاشتراكية الذي دعا الحزب التقدمي الاشتراكي الى عقده في بيروت في 25 آذار 1951، وترأسه كمال جنبلاط ، وضم احزاباً من سوريا ومصر والعراق ، وصدرت عنه مقررات سياسية واجتماعية ، واريد له ان يتحول الى تحالف له صفة الاستمرارية.
    2. التحالف الثنائي مع حزب البعض العربي الاشتراكي (26 نيسان 1954) من اجل النضال العربي المشترك للتحرر من الإستعمار والرجعية ومواجهة الخطر الاسرائيلي. والعمل من اجل الوحدة العربية ، والتزام الحياد الإيجابي.
    3. الجبهة العربية المشاركة في الثورة الفلسطينية التي تشارك الحزب التقدمي الاشتراكي في تأسيسها سنة 1972 ، وتولّى كمال جنبلاط رئاستها ، وضمت احزاباً من معظم الدول العربية اتفقت ان تعمل معاً لنصرة القضية الفلسطينية. وعلى هامش هذه التحالفات الحزبية قامت علاقات وثيقة بين كمال جنبلاط والرئيس جمال عبد الناصر.


  • التحالفات الدولية

    منذ مطلع الخمسينات من القرن العشرين ، وبُعيد تأسيس الحزب التقدمي الاشتراكي ، دعا كمال جنبلاط لقيام قوة عالمية ثالثة تعارض مشاريع الحروب والأحلاف العسكرية ، وترفض الإنحياز الى اي من المعسكرين الغربي الرأسمالي والشرقي الشيوعي ، وتعمل لتحقيق السلم العالمي . ووجه كمال جنبلاط ، في مؤتمر صحفي عقده في بيروت بتاريخ 15/1/1951 ، نداء الى الشعوب العربية ، والمسؤولين العرب دعاهم فيه لتلبية دعوة البنديت جواهرلال نهرو والحزب الاشتراكي الهندي لتشكيل نواة القوة الثالثة. وبعد عقد مؤتمر باندونغ سنة 1954 وصدور مقرراته ، اشاد كمال جنبلاط بهذه المقررات التي تلتقي مع الأفكار التي دعا الى تحقيقها.

    كما شارك الحزب في العديد من المؤتمرات الاسيوية والافريقية التي دعت اليها هيئات اشتراكية وعالم ثالثية لها الطابع الشعبي ، نذكر منها مؤتمر رانفون (1953) وحيدر اباد (1953) ونيودلهي(1955). وحضر كمراقب مؤتمر منظمة الاشتراكية الدولية (1961). كما شارك في مؤتمر تضامن الشعوب الأسيوية الافريقية الذي انعقد في بيروت سنة 1960 بحضور وفود من 27 دولة ، اختارت كمال جنبلاط رئيساً للمؤتمر. وشارك الحزب في مؤتمر القارات الثلاث الذي عقد في هافانا (كوبا) في مطلع سنة 1966. وفي مؤتمرات الشبيبة الديمقراطية العالمية في موسكو (1970) في برلين (المانيا الشرقية) (1974).



كمال جنبلاط يقارن ويبيّن الفوراق

في كتابه "فلسفة العقل المتخطي فلسفة التغيير: الماركسية والإشتراكية". قدّم كمال جنبلاط (الصفحات 334 -366) دراسة مقارنة بين التقدمية الإشتراكية والأنظمة القائمة في العالم .

اولاً : التقدمية الاشتراكية والديمقراطية الغربية يرى كمال جنبلاط انالديمقراطية الغربية ، من خلال الثورات والتطورات ، تمثل نزعات الشعب في سبيل تحقيق الحرية السياسية والحرية الشخصية للإنسان (حق المواطن بان يحكم ذاته بذاته ، حقه بألاّ يقبض عليه إلاّ بناء على اتهام عدلي وألاّ يحبس إلاّ استناداً لحكم قضائي )، وحرية المواطن في القول وفي الملكية.

الديمقراطية الغربية كانت ، تاريخياً ، رد فعل طبيعي ومتطرف على انظمة القرون الوسطى المقيّدة لحرية الإنسان ونشاطه ، فكان لا بدّ من ان تصطبع بمحاولة الديمقراطياته الناشئة تطبيق مفهوم للحرية مطلق وفوضوي، تمثّل بخاصة ، من انظمة هذه الدول الاقتصادية والسياسية.

وحتى ابرز مظاهر الديمقراطية الغربية انها مكّنت الفئات البورجوازية في الدولة من السيطرة ، اقتصاديا واجتماعياً وسياسياً ، ولذلك سميت بالديمقراطية البورجوازية والرأسمالية.

وفي المقابل ، يعلن كمال جنبلاط ان التقدمية الاشتراكية تمثل نزعات الشعب في سبيل تحقيق جميع حقوقه الأساسية في الحياة ، كحق المواطن في تأمين الخبز والعمل والعلم والضمانات الاجتماعية على تنوعها ،وحقه في المساواة الإقتصادية الوظائفية والمساواة الاجتماعية الوظائفية. التقدمية الاشتراكية تحاول الجمع في تأليف منسجم للنظام والحرية ، ين حقوق الإنسان ومصلحة المجتمع والدولة ، بين فكرة المؤسسة وروح المبادرة الفردية الضرورية لنجاح كل عمل بشري من الحرية ودون ضغط ولا إكراه. إنما الحرية هي في انسجام المواطن مختاراً في نشاط الجماعة وهي ترمي عملياً الى إلغاء الطبقات وإقامة ديمقراطية شعبية اقتصادية واجتماعية وسياسية ، يشترك وينظم فيها كل مواطن على اساس كفاءاته وامكانية.

ثانيا – التقدمية الإشتراكية والنازية

وصف كمال جنبلاط النازئة على أنها مذهب عنصري يرمي الى توضيح رسالة الشعب الألماني بين شعوب العالم ، والى تمكين العنصر الآري من السيطرة على سائر العناصر. وبما ان الدولة الألمانية هي الجهاز الجماعي الذي يحقق هذه الرسالة وهذه السيطرة ، لذلك اعتبرت النازية. الدولة محور حياة المواطن الألماني بحيث يصبح الفرد مسخراً بجمبع امكانياته ونشاطاته لخدمة الدولة ، فلا حقوق للأفراد بإزاء وما تفرضه الدولة من توجيه وعمل.

النازية مذهب يرتكز على الفروق الطبيعية التي تميّز بين افراد وطن واحد ، وبالتالي لا توجد مساواة حسابية بين الناس : "مبدأ الحياة، كما يقول زعيم النازية أدولف هتلر ، هو مبدأ ارستقراطي ، فيجدر ان تتسلم النخبة قيادة المجتمع . وهذه النخبة هي مسؤولة فقط امام نفسها وامام الحياة".

وكلمة نازي NAZI هي ختصار لإسم الحزب الذي انشأه هتلر وهو الحزب القومي الإشتراكي.

وعلى عكس النازية ، يقول كمال جنبلاط ، التقدمية الإشتراكية مذهب انساني يرمي الى مساهمة الشعب – وبالتالي الدولة – كعضو مميّز فقال في حركة تطور الإنسانية النازعة الى التضامن البشري والحضارة الكاملة ، وبالتالي لا تفضيل بين عنصر وعنصر ولا تسخر حقوق الإنسان لمصلحة الدولة. وهي ترتكز على تفاوت المواهب الطبيعية والملتبسة بين الأفراد ، وعلى ان هدف الحياة إبراز النخبة التي تتم فيها صفات الإنسانية ، وهي تؤيد فكرة الشخصية القائدة المسؤولة المستقلة في آن واحد . وتتبنى كل ما له علاقة في تنمية وتقوية الجسم البشري ، وكل ما ينجم عنها من ترسيخ للفرح والقوة في نفوس الأفراد.

ثالثا – التقدمية الإشتراكية والماركسية

بعد اطلاعه على مصادر الفكر الماركسي وجذوره التاريخية والفلسفية سجّل كمال جنبلاط عشرين فارقاً بين التقدمية الإشتراكية والنظرة الماركسية (كتاب كمال جنبلاط : الماركسية والإشتراكية صفحة 343-336)
وفي تحديده للماركسية قال كمال جنبلاط انها نظرية جدلية للوجود (Dialectique) تتبنى مبدأ الصيرورة (La devenir) على إطلاقه ، على الأقل من حيث المبدأ. والجدلية قديمة قِدَم الإنسان والتاريخ ، وهي اول تفسير عقلاني وطبيعي وعفوي للوجود. ولو تقصينا عن المصادر المباشرة للنظرة الماركسية لوجودنا جذورها ، كما يوضح لنا ذلك ماركي ذاته ، في فلسفة هيغل (Hegel) التي تبناها ماركس وإنجلز في تفقههما واقبالهما على التفكير والتفتيش العقلي لمعرفة الوجود ، ثم استبدلا شكلها التالي (La diealiste) بالقالب المادي الذي وضعها فيه فيورباخ (Feurbach).

واما ابرز الفوراق التي سجلها كمال جنبلاط بين التقدمية الإشتراكية والماركسية فيمكن ايجازها بما يلي:

  1. إن الخطأ الأساسي الذي ترتكبه الماركسية هو قصرها منبع أفكار العدالة والمساواة على الجذع الإجتماعي (محاضرة عن الديمقراطية الإقتصادية في 17/4/1950) وهذا مأخذنا عليها انها لم تعالج الإنسان بكتيه.
  2. التمايز الواضح بين الماركسية الشيوعية والإشتراكية في كون الاشتراكية نظاماً تعاونياً اجتماعياً في الشيوعية هي نظام رأسمالية الدولة . وكون الاشتراكية تقول بتعدد اشكال الملكية(ملكية عامة، فردية صغيرة على اساس التصرف ، ملكية اشتراكية تعاونية) بينما الماركسية تقول بملكية الدولة وكون الاشتراكية لا تؤمن بالطبقية بل بالمساواة الوظيفية ، بينما الماركسية هي نظام طبقي لا مساواة وظيفية فيه (كمال جنبلاط، التقدمية الاشتراكية والماركسية البولشفية ، جردية الانباء في 20/7/1950).
  3. دعوة كمال جنبلاط لتعديل الاركسية واستنباط النظمة التي تتفق اكثر فأكثر مع حركة الإنسان في ضوء التجارب (خطاب في 3/5/1953) نقده لتنكر الماركسية للنظام الديمقراطي السياسي (خطاب اول ايار سنة 1955، ورفضه الفصل بين العمل والرأسمال في النظم الرأسمالية والشيوعية على السواء (لماذا انا اشتراكي 12/3/1960) ، كذلك رفضه الفصل الحاصل في الماركسية بين المفاهيم الروحية والافكار الاقتصادية (المرتكزات الأساسية للفكرة الاشتراكية ، جريدة الانباء ، في 8/4/1961) ، اذ ان ربط الماركسية للوضع السياسي والثقافي والاجتماعي بأوضاع الاقتصاد وبالتناقض المنبثق عنها صحيح ، لكن الخطأ هو في نظرة الماركسية الى الاشياء من احدى زوايا الصيرورة ، فلا يبصر الماركسيون اهمية الاوضاع المعنوية وطاقات العقل والقيم الروحية في التأثير على تطور المجتمع . ويدعو كمال جنبلاط الى ان " نقلب ماركسي من جديد فلا يجعل قاعدة الهرم قائمة في الهواء (كمال جنبلاط ، نحن والمارسكية . الأنباء في 21/4/1962)، فروحية العدالة والإرتكاز الى نظرة واضحة في الاخلاق والقيم المعنوية وفي تراث الانسان واصالته ، هما الفاصل الحقيقي بيننا وبين الوجهة الماركسية (روحية العجالة ، الانباء في 14/1/1962).
  4. إن خطأ الماركسية انها ضخمت الصفة الاشتراكية في الإنسان فجعلتها الكل بالكل (مقالة التضليل القومي ، كتاب أضواء على حقيقة القومية الاجتماعية السورية صفحة 33) وانسان الماركسية ، او حتى انسان الاشتاركية الغربية هو إنسان مرحلة من المراحل استحوذ فيها الفتك والحرمان والاستثمار الاقتصادي ...بينما انسان التقدمية الاشتراكية ، يهدف الى الزيادة المطردة في مقدار وعي الكائن الحي ( كتاب فيما يتعدى الحرف صفحة 131).
  5. الماركسية تعتمد على صراع الطبقات دون اي اعتبار لقيم العدل والاخوة والتضامن والحرية والمساواة بينما التقدمية الاشتراكية ، ربطت نفسها وصراعها ونهجها بمبادىء العدل والأخوة والتضامن الحقيقية (آراء في التقدمية الاشتراكية صفحة 18)
  6. ان الاشتراكية المادية (الماركسية) اخطر الوان الاشتاركية إنها والحضارة الرأسمالية صنوان (محاضرة في زحلة في 20/10/1963)، والاشتراكية الماركسية الليننية تتضمن المحاذير التالية : التصدق دعاتها بحرفية النص واكتفاءها بذاتها وانطلاقها من خارج الانسان.
  7. نختلف عن الماركسية في اعتبارنا ان للقيم الروحية اهمية كبرى في بحث مشكلات الانسان (حديث حزبي في البترون في 19/6/1965)، فالفارق الرئيسي بين التقدمية الاشتراكية ، والاشتراكية الشيوعية هو ايمانه بالقيم المعنوية المناقبية (مقالة في الانباء في 9/12/1967). فالحزب لا يعتبر الاشتراكية نتجية للصراع الطبقي فقط ، بل هي مظهر ضمني للتطور الحي النازع في هذه المرحلة الى التجمع في داخل المجتمع وخارجه (مقالة الحزب والأحزاب اللبنانية اديبات مختارة صفحة 14). فالإجتماع البشري ليس هو الإقتصاد واطره فحسب. بل ما يولده الاقتصاد ويعلو عليه ويقابله باستمرا ... فهناك وحدة جدلية بنهما ، وآفة لولا الاجتماع البشري حتى في كينونته البدائية ، لما نشأ الإقتصاد (مقدمة ربع قرن من النصال صفحة 42).
كمال جنبلاط .. رائد الاصلاح في لبنان
كمال جنبلاط المفكر والمناضل والسياسي، عمل طوال حياته السياسية من اجل الاصلاح. وكان يؤكد دوماً ان الاصلاح حاجة اساسية لكي تنتظم الامور في لبنان. ومن اجل تحقيق هذا الاصلاح دعا الى تنقية الجو السياسي وتطهيره من المفسدين والرجعيين وعملاء الاجنبي. كما دعا الى تطهير ادارات الدولة من ارباب الفساد والرشوة وعديمي الكفاءة الخلقية والمعنوية والادارية.

مشاريع كمال جنبلاط الاصلاحية كان يرفعها في كل مناسبة استحقاق حكومي او رئاسي او انتخابي، تارة باسمه الشخصي ، وطوراً باسم الحزب التقدمي الاشتراكي الذي يترأسه، او باسم الجبهات التي كان يشارك فيها.

وهذه ابرز المحطات والمحاولات الاصلاحية في تجربة كمال جنبلاط.

المحاولة الاصلاحية الاولى

في اول ايار من العام 1951 تشكلت برئاسة كمال جنبلاط الجبهة الاشتراكية الوطنية التي تعهد اعضاؤها مواجهة الفساد المستشري في عهد الرئيس بشارة الخوري. والعمل لتحقيق المشاريع الاصلاحية التالية:

  • تأمين التعويض عن البطالة للعمال والفلاحين وارباب الفكر.
  • تأمين العلم للجميع على ان يكون مجانياً والزامياً.
  • تأمين الضمان الصحي الاجتماعي للجميع.
  • ضمان استقلال القضاء تنفيذاً لمبدأ العدل للجميع.
  • تعديل نظام المطبوعات تحقيقاً لمبدأ حرية النشر والقول.
  • انشاء تعاونيات وطنية يشترك في ادارتها وارباحها العمال والمستخدمون تحقيقاً لمبدأ : كل عامل ملاّك.
  • مشروع الغاء الالقاب .
  • مشروع ضمان الحريات للجميع تحقيقاً لمبدأ: الفكر لا يواجه الا بالفكر.
( كتاب " ربع قرن من النضال – صفحة 156 – 157 ).

المحاولة الاصلاحية الثانية

استطاعت الجبهة الاشتراكية الوطنية ان تقود بنجاح الثورة البيضاء سنة 1952 ، وتنهي عهد الرئيس بشارة الخوري الذي اتهمت اركانه بالفساد. واوصلت احد اركانها السيد كميل شمعون الى رئاسة الجمهورية. ولكن سرعان ما خرج كميل شمعون على مبادئ الجبهة فانفرط عقدها. فقرر كمال جنبلاط ان يواصل معارضته وسعيه الى الاصلاح.

وفي 3/9/1952 شكل كمال جنبلاط الجبة الاشتراكية الشعبية التي استلهمت في معارضتها المبادئ والمطالب الاصلاحية التي قامت على اساسها الجبة الاشتراكية الوطنية التي تفككت في 18 ايار 1953. وتعهدت العمل لتحقيق برنامجاً اصلاحياً جذرياً يقوم على المبادئ التالية:

  • فصل الدين عن الدولة، والغاء الطائفية السياسية.
  • تنظيم السلطات العامة واقرار مبدأ مراقبة دستورية القوانين.
  • اطلاق الحريات العامة، واقرار مسؤولية الدولة عن كل عمل تعسفي يصدر عن احد عمالها.
  • تنظيم الاقتصاد بشكل تصميمي وتوجيهي يؤمن موارد كافية لسد حاجات الشعب، وتحقيق جميع الضمانات الاجتماعية له.
  • تأكيد حياد لبنان ازاء الصراع العالمي القائم.
  • تأمين الضمانات الاجتماعية للجميع.
(موسوعة مسيرة الشهيد كمال جنبلاط – المجلد الثالث صفحة 243)

المحاولة الاصلاحية الثالثة

تمثلت هذه المحاولة بانجاز اول مشروع متكامل للضمان الصحي في لبنان. وذلك عن طريق الحزب التقدمي الاشتراكي بتوجيه من رئيسه كمال جنبلاط ، بتاريخ 8/2/1955. وهو المشروع الذي اعتمدت عليه الدولة اللبنانية عندما قررت تنفيذ الضمان الاجتماعي في لبنان.

المحاولة الاصلاحية الرابعة

بعد اعتماد نهج المعارضة من سنة 1948 الى سنة 1960، قرر كمال جنبلاط قبول المشاركة في الحكم، بعد ان تأكد له النهج الاصلاحي عند الرئيس فؤاد شهاب. وسعى من خلال هذه المشاركة لتحقيق بعض مطالبه وشعاراته والاهداف المرحلية للحزب التقدمي الاشتراكي. وقد تجسّد ذلك اصلاحات بالغة الاهمية في مجالات وزارة التربية الوطنية، والعدل والاشغلال العامة، والتصميم ، في حكومة الرئيس رشيد كرامي، حيث تعهد كمال جنبلاط بتنفيذ برنامج العمل التالي:

  • مشروع تنظيم البلديات على اساس قانون جديد رفع عدد البلديات في لبنان من 125 الى 625 بلدية.
  • مشروع تحديد حجم الاعتداءات على الاملاك العامة.
  • مشروع تلزيم التخطيط البلدي الى شركة خاصة بهدف الاسراع في الانجاز.
  • مشروع قانون بتشديد الرقابة على افلام السينما.
  • مشروع قانون بانتداب موظفين للتحري عن الرشوة وكشف الموظفين المرتشين.
  • مشروع للاصلاح الاداري في وزارة الداخلية.
  • مشروع لتنظيم السير ودفع الغرامات.
  • مشروع تشديد العقوبة على صيد الاسماك بواسطة الديناميت .
  • مشروع لاحصاء الاجانب والعرب المقيمين في لبنان.
  • مشروع بتنظيم عمليات التجنيس.
  • مشروع تقسيم البقاع الى محافظتين.


وخلال العام 1962 تركزت مطالب كمال جنبلاط الاصلاحية على المشاريع التالية في الوزارات الاخرى:

  • تنفيذ مشروع الضمان الاجتماعي.
  • مشروع تأميم استيراد الادوية.
  • تثبيت الموظفين المؤقتين في ملاكات الدولة.
  • الترخيص للنقابات بأن يشمل نشاطها جميع العمال والموظفين بما في ذلك الموظفين في الدولة وفي المؤسسات العامة والبلديات.
  • وقف الصرف الكيفي، واعتماد نظام العقود الجماعية لضمان حقوق العمال .
  • مشروع حماية الصناعة الوطنية.
  • تعديل قانون الاحزاب والجمعيات.
  • مشروع قانون لتأليف وتنظيم النقابات .
(كتاب " ربع قرن من النضال" صفحة 311 - 318)

المحاولة الاصلاحية الخامسة

في شباط 1966، رفع كمال جنبلاط الى الرئيس شارل حلو مذكرة تتضمن مشروعاً متكاملاً وشاملاً لللاصلاح هذا نصه:

من المحقق ان الدولة والادارة هما بحاجة الى اصلاحات تتناول المؤسسات والمصالح والقوانين ، على ان ذلك لا يكفي، يجب لأجل انتظام الحال في لبنان ان نعمل على تحقيق الاوضاع الاساسية التالية:

  • تطهير ملاكات الادارة من ارباب الفساد والرجعية في التفكير وانعدام الكفاءة الخلقية والمعنوية والادارية.
  • تنقية الجو السياسي بتطهير القيادة الشعبية بمجموعها من المفسدين ومن ارباب المدرسة العتيقة في التفكير وفي النهج ومن عملاء الاجنبي.
  • توفير المثل الصالح الصادر عن اربعة او خمسة قادة للدولة يظهرون في تفكيرهم وخاصة في تصرفهم الخاص والعام بأنهم يؤثرون الاخلاص والمصلحة العامة فوق كل شيء. ونحن اذ نشدد على تطهير القيادة السياسية والاجتماعية في لبنان وعلى تجديدها على اسس من الكفاءة والاخلاق فلأن الشعوب كما يظهر من احدث النظريات الاجتماعية العلمية، لا تنهض ولا تزدهر الا في وضع تتفاعل فيه قيادة صالحة وذات كفاءة من مجموع جماهير الشعب، هذا التعاكس والتفاعل بين الاقلية والاكثرية هو اساس قيام الحضارات وبقائها وازدهار الدول واستمرار الامم في مجالات التفوق والحياة.
اصلاح القوانين والمؤسسات الحكومية والادارية

1- في حقل رئاسة الجمهورية:

تضطلع رئاسة الجمهورية بمسؤولية كبيرة ولكنها غير مباشرة في حقل انتظام الدولة. فعلاوة على ان رئيس الدولة يرمز في شخصه وفي تصرفه الى اشرف ما يمكن ان يتجلى فيه الخلق الوطني والخاص لكل امة وما ينفرد به شعب هذه الامة من صفات تميزه عن سائر الشعوب، انه في اضطلاعه بصلاحياته الدستورية يمارس الوظائف الثلاث التالية:

1) وظيفة الحكم الذي يرتفع فوق مستوى الحزبيات الضيقة والنزاعات المتنوعة والمتناقضة ، لكي يختار فيما بينها، او يقومها بما يؤثره من مصلحة الوطن ولكي يمارس التوجيه لصالح افضل العناصر واسلم النزعات.

2) وظيفة القاضي الاول الذي يراقب تنفيذ القوانين، واحترام الدستور ويتطلع الى موافقة اكمل وامثل بين العدل والقانون.

3) وظيفة الموجه بشكل غير مباشر (لان وظيفة التوجيه المباشر تختص برئيس الوزارة وبزملائه) لآراء مجلس الوزراء ولمقرراته وللادارة التي هو على رأسها.

وقد بلغ التعقيد والتخصص في الدولة الحديثة مبلغا يوجب فيه على رئيس الدولة ان يحيط نفسه ببعض كبار رجال الدولة والاخصائيين في كافة حقول المعرفة. وقد حرص بعض رؤساء الجمهورية في البلدان المتقدمة كالولايات المتحدة وسواها ان يحيطوا انفسهم بمجلس استشاري من كبار الادمغة العلمية والخبرة السياسية، يعودون اليه في تقرير التوجيه العام للدولة ، ويمكن لمجلس الوزراء الاستعانة بآرائهم قبل اقرار ما يرونه ضروريا بشكل نهائي.
لذا نرى من المناسب ان يحيط نفسه، رئيس الدولة في لبنان، بمجلس صغير مؤلف من كبار الادمغة النيرة ذوي الثقافة الشاملة وبعض كبار اساتذة الاقتصاد واخصاء الادارة والتقنية ويمكن تسمية هذا المجلس الاستشاري مجلس رئاسة الجمهورية (conseil presidentuel).

2- في حقل اقتراح مشاريع القوانين ومناقشتها:

ان الذي يقترح اليوم قوانين الدولة على ما يبدو هو مكتب خاص للاستشارات القضائية في وزارة العدل او كل وزارة وفق ما تندفع اليه . وهذا الوضع تعتوره نقائص كثيرة لا مجال لذكرها هنا ليس اقلها الاخطاء التي تتسرب الى مشاريع القوانين . فيجب طبعا تقوية هذا المكتب ببعض كبار المشترعين والاخصائيين بمختلف نشاطات الدولة . على ان المصلحة تقضي بانشاء مجلس اخر لاقتراح مشاريع القوانين قبل عرضه على مجلس الوزراء ومناقشتها او القيام بهاتين الوظيفتين في آن واحد قبل عرض المشروع على المجلس النيابي وتصديقه من قبل هذا المجلس الاخير بوصفه السلطة الشعبية التمثيلية الوحيدة.

ويؤلف هذا المجلس من ممثلين من مختلف الكفاءات والهيئات المعنوية في البلاد لتمكينه مثلا من تمثيل مختلف نشاطات الفكر والعمل المادي في شطريه العمالي وارباب العمل وبعض ذوي الخبرة السياسية وكبار رجالات الاختصاص والثقافة والعلم.

ويمكن للمجلس الاستشاري او لبعض لجانه ان يرسلوا مفوضين عنهم امام المجلس النيابي لشرح وجهة نظرهم في المشاريع المقترح مناقشتها وتنفيذها. وفي كل حال لا يكون من صلاحيات المجلس المذكور تصديق القوانين والمساهمة في الثقة الوزارية او سواها من الاعمال الحكومية وغير الحكومية كتقديم الاسئلة والاستجوابات والتحقيق البرلماني وابرام القوانين.

وفي حقل الاصلاح التشريعي يستحسن ان يضاف الى اللجان البرلمانية التي يؤلفها المجلس النيابي عادة، بعض كبار المشترعين والاخصائيين بنسبة النصف او الثلث لكي تستطيع ان تتخذ مقرراتها على ضوء المعرفة الحقيقية للموضوع المطروح على بساط البحث. ويجب ايضا ان ينتخب المجلس النيابي في كل سنة لجنة دائمة للتحقيق وان يكون لها الصلاحيات القضائية لكي تتقبل مختلف الشكاوى المقدمة للمجلس النيابي، والتي تختص بتصرف الموظفين واعمال الدولة. ويجب ايضا ان يشترك في هذه اللجنة بعض كبار رجال القانون.

وهناك لجنة برلمانية يجب انشاؤها تتولى التحقيق في طريقة تحقيق الموازنة وصرفها ويسمونها في الغرب مجلس (auditor) وتعرض هذه اللجنة نتائج تحقيقاتها على المجلس النيابي وعلى ديوان المحاسبة الذي يجب ان يتحول الى محكمة حقيقية للشؤون المالية.

3- في حقل اصلاح الوزارة:

يجب ان يهتم الوزراء كل في دائرته في التوجيه العام لشؤون وزارته ، او بالاحرى لسياسة وزارته وانطباقها او عدم انطباقها على البرنامج العام الذي وضعته الحكومة . وذلك دون التعرف الى التفاصيل التي هي من شأن الادارة ، وتتعلق بالمدير او الامين العام او رئيس الدائرة او المصلحة المعنية.فتوزيع المسؤولية ضروري وشرط اساسي لانتظام كل عمل.

وللوزير في الواقع مهمتان اساسيتان:

- التوجيه العام.
- المراقية العامة لسير اعمال الوزارة لكي تتوفر فيها على الدوام العدالة والابتعاد عن الحزبية والتجرد والسرعة والمثابرة والاخلاص.

ونرى من المناسب ان يحيط كل وزير نفسه بوكيل وزارة واحد (sous secretaire d’etat) او اكثر تتوفر فيه الموهبة الادارية والمقدرة الفنية للاشراف مع الوزير بتوجيه منه على شؤون الوزارة المعنية خاصة ، وان العادة درجت ان يتسلم في لبنان كل وزير حقيبة او حقيبتين وزاريتين او اكثر مما يجعل عمله شاقاً، الى حد ما ... وطبعا يجب ان يختار الوزير ذاته من هذا الصنف من الرجال الذين يتقنون ادارة ومراقبة الاعمال وتنفيذها، وان تكون له ايضا موهبة القيادة التي تحترم روح المبادرة لكل موظف من موظفيه في مجال اختصاصه، وتعرف في آن واحد كيف تتدخل للتوجيه والمراقبة دون تعريض العمل للعرقلة او التأخير او الحاق الضرر باصحاب المصالح.

4- في حقل الاصلاح الانتخابي

  • زيادة عدد نواب المجلس النيابي الى 121 نائباً وهذا العدد شرط اساسي لتمكين المجلس من التحرر من التعبير الاكثر شمولا عن مختلف تيارات الشعب وذلك في سعي تجديد القيادة الشعبية.
  • بجعل الاحتكام بصحة الانتخابات او عدمها يعود للقضاء لا للمجلس النيابي وذلك باجراء تعديل المادة المختصة من الدستور.
  • بتحديد نفقات الدعاية الانتخابية لكل مرشح بمبلغ معين لا يجوز ان يتعداه والا تعرض المرشح لالغاء نيابته.
  • بمنع نقل الناخبين الى مراكز الاقتراع من قبل المرشحين، وبانشاء مراكز اقتراع في المدن الكبرى وسواها من الدساكر التي يكثر فيها عدد الناخبين الذين ينتمون الى مناطق اخرى.
  • بانشاء الغرفة السرية والبطاقة الانتخابية .
  • تقسيم المناطق الانتخابية على اسس جغرافية طبيعية صحيحة.


5- في حقل اصلاح قوانين الحقوق الشخصية

يتناول في هذا الاصلاح:

  • وضع تشريع يمنع بموجبه توقيف المتهم لاجل التحقيق اكثر من مدة معينة يحددها القانون.
  • وضع تشريع يحق بموجبه التعويض لكل متهم اوقف ولم يثبت التحقيق او القضاء التهمة المنسوبة اليه.
  • وضع تشريع يجبر بموجبه الوزير او الموظف المختص على تنفيذ قرارات مجلس الشورى او الموظق الذي يستنكف عن تنفيذ احكام القضاء – طبعا اذا كان قضاة مجلس الشورى يؤلفون هذه الهيئة الجديرة باصدار الاحكام.
  • وضع تشريع جديد للاحزاب السياسية وللصحافة.وضع تشريع جديد للتظاهر السلمي والاجتماعات العامة، مثلا يمنع تأسيس اي حزب لا يحوى على نسبة معينة من مختلف الطوائف.
  • الغاء القوانين الزجرية التي كان وضعها المفوض السامي في حقل الحريات الشخصية.
(كتاب مختارات من اجل المستقبل – صفحة 31 - 39)

المحاولة الاصلاحية السادسة

تمثلت هذه المحاولة بالبرنامج المرحلي للحركة الوطنية من اجل اصلاح ديموقراطي للنظام السياسي في لبنان، والذي اعلنه كمال جنبلاط بصفته رئيس المجلس المركزي للحركة الوطنية في لبنان، في مؤتمر صحافي عقده بتاريخ 18/8/1975.

تضمن البرنامج مقدمة تحليلية شاملة لحقائق الوضع اللبناني في الميادين الوطنية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية، وللمخاطر التي تتهدد حاضر لبنان وممستقبله. ومشروعاً للاصلاح السياسي كحل مرحلي لانقاذ لبنان مما يعانيه. هذا المشروع شكل اساساً للاصلاحات التي توافق على ضرورة تطبيقها اللبنانيون في اتفاق الطائف.

نورده بنصه نظراً لأهميته:

1) الغاء الطائفية السياسية:

لقد بات مستحيلاً قبول استمرار نظام الامتيازات الطائفية الراهن او الابقاء عليه بعد ان نخرته مجمل التطورات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي توالت على البلاد بحيث اصبح تجاوزه شرطاً لكل تقدم.

ان الاحزاب والقوى الوطنية والتقدمية تؤمن ان الحل الديموقراطي العلماني المتمثل بالغاء الاساس الطائفي للنظام اللبناني اصلا، هو الاختيار الوحيد المنسجم مع تطلع الجماهير اللبنانية الى نظام وطني ديموقراطي متقدم. لذا فان الاحزاب التقدمية تعتبر الغاء الطائفية من النصوص الدستورية والتشريعية والنظامية ، وعلى صعيد الواقع الاجتماعي السياسي، واحدا من الاهداف الرئيسية الملحة لنضالها الى العلمنة الكاملة للنظام السياسي وازالة كل اثر للصيغة الطائفية في مختلف مجالات الجبهة اللبنانية.

وترى الاحزاب التقدمية في هذا الطور من نضالها المستمر لالغاء الطائفية السياسية، ان الحد الادني المطلوب لتجاوز الطائفية السياسية في مجال التمثيل الشعبي وفي الادارة والقضاء والجيش.

ان تحرير التمثيل الشعبي من قيود الطائفية السياسية يشكل الخطوة الرئيسية الاولى على طريق تحرير الحياة السياسية اللبنانية كلها من اثقال البنية الطائفية المتحجرة والتي تدفع الجماهير وحدها ثمن استمرارها من مصالحها وكرامتها الانسانية والوطنية.

2) اصلاح ديموقراطي للتمثيل الشعبي:

أ‌- في مجال التمثيل الشعبي النيابي:

اعتماد قانون جديد للانتخاب على الاسس التالية:

الغاء الطائفية السياسية – جعل لبنان كله دائرة وطنية واحدة – الاخذ بنظام التمثيل النسبي – نائب لكل عشرة آلاف ناخب – تخفيض سن الانتخاب لثمانية عشر عاما – اعتماد البطاقة الانتخابية – تأمين مراكز الاقتراع في اماكن السكن – الاستخدام المتساوي والمجاني لأجهزة الاعلام الرسمية في الدعاية الانتخابية – اعتبار الرشوة جناية والتشدد في معاقبتها – تعديل النظام الداخلي لمجلس النواب لترسيخ مبدأ التكتل البرلماني – انشاء لجنة قضائية للاشراف على الانتخابات وبت الطعون – الغاء الضمانة المالية – اخضاع النائب لمراقبة ديوان المحاسبة والمحكمة الاثراء غير المشروع – وضع سن لتقاعد النواب في الرابعة والستين.

ب‌- في مجال التمثيل الشعبي المحلي والتنظيم الاداري للدولة :

1- وضع تنظيم اداري جديد للدولة اكثر تطابقاً مع الواقع الاجتماعي للبلاد بتقسيم لبنان الى عشر محافظات.
2- انشاء مجالس تمثيلية اقليمية في المحافظات والاقضية منتخبة لاربع سنوات يكون من صلاحيتها اقرار الموازنات المحلية وتنفيذها بواسطة لجنة دورية يعاونها المحافظ او القائمقام في عملها هذا، وتتثمل في هذه المجالس الهيئات والجمعيات والنقابات العمالية والمهنية والتعاونية والبلدية والثقافية والمعنوية. ويكون لهذه المجالس حق الرقابة على المؤسسات العامة في القضاء او المحافظة.
3- اعادة النظر باوضاع البلديات باتجاه وضع قانون جديد لانتخابها وفق قاعدة التمثيل النسبي ، وتعديل نظام الوصاية عليها باتجاه تعزيز صلاحياتها وتوفير الحد المطلوب لها من الاستقلال للقيام بدورها كهيئات تمثيلية محلية.

3) اصلاح السلطات العامة وتحقيق التوازن بينها:

ينطلق الاصلاح المطلوب في هذا المجال من اعتبار الديموقراطية نظام شورى وحكم للقانون يقوم على روح المسؤولية وتوزيع الصلاحيات ويتساوى فيه جميع المواطنين الى اي فئة اجتماعية انتموا والي اية عائلة روحية انتسبوا.

لذا فان اقتراحات الاحزاب والقوى الوطنية والتقدمية تتوخى في هذا المجال ترسيخ جملة مبادئ: تكريس الهيئة التمثيلية للشعب مصدرا لكل السلطات،العودة الى الاصول الديموقراطية البرلمانية في مجال تحديد الصلاحيات وعلاقة السلطة التشريعية بالسلطة التنفيذية وعلاقة الاطراف المكونة للسلطة التنفيذية فيما بينها توفيراً للتوازن المطلوب في هذا المجال ثم تأمين استقلال السلطة القضائية.

وانطلاقا من هذه المبادئ العامة ترى الاحزاب والقوى الوطنية والتقدمية انه لا بد، في سبيل اصلاح السلطات العامة وتحقيق التوازن بينها، من الاخذ بالاسس التالية:

أ‌- على صعيد السلطة التشريعية :

1- حصر صلاحية التشريع في مجلس النواب.
2- تحديد الحالات التي يحق فيها لرئيس الجمهورية حل مجلس النواب، بمرسوم يتخذ من مجلس الوزراء، بثلاث: امتناعه عن الاجتماع بعد دعوته ثلاث مرات متتالية، رده الموازنة برمتها، واسقاطه الحكومة مرتي في مدى سنة واحدة.
3- احداث مجلس دستوري منتخب تتمثل فيه جميع النشاطات اللبنانية من مهنية واقتصادية واجتماعية وثقافية ومعنوية يدعى " مجلس النشاطات اللبنانية الاساسية". ويكون من صلاحياته المشاركة في اقتراح القوانين ومناقشتها والاشتراك مع مجلس النواب في انتخاب رئيس الجمهورية. ويكون لمجلس النواب وحده صلاحية البت النهائي بمشاريع القوانين .
4- جواز اعتماد طريقة الاستفتاء الشعبي العام المباشر حول بعض المواضيع المهمة بحيث تكون نتيجته ملزمة للمجالس التمثيلية والسلطات التنفيذية.
5- فصل صفة الوزارة عن النيابة واسقاط صفة النيابة حكما عن كل وزير.
6- انشاء لجنة تحقيق نيابية دائمة للنظر في شكاوى النواب والمواطنين.

ب‌- على صعيد السلطة التنفيذية:

1- يتم انتخاب رئيس الجمهورية في جلسة مشتركة يعقدها مجلس النواب ومجلس النشاطات اللبنانية الاساسية.
2- يسمي مجلس النواب رئيس الوزراء ويصدر رئيس الجمهورية مرسوم تكليفه مصدقا بذلك على اختيار المجلس.
3- يكون لرئيس الحكومة الحق المطلق في تسمية وزراء حكومته بعد استشارة الكتل النيابية، ويصدر رئيس الجمهورية مرسوم تعيينهم بالاشتراك مع رئيس الوزراء ، وتبقى لرئيس الجمهورية سلطة عزل الوزراء بناء لاقتراح رئيس الحومة في حال مخالفتهم للدستور او للقوانين. كما تبقى لرئيس الجمهورية سلطة اقالة الحكومة على ان يصار في هذه الحالة الى اجراء انتخابات نيابية عامة.
4- يرأس رئيس الجمهورية مجلس الوزراء ويدير رئيس الوزراء في حضوره المناقشات. اما المجلس الوزاري فيجتمع برئاسة رئيس الوزراء للمناقشة والبت في القضايا والمشاريع التي ليست لها صفة الاهمية الخاصة.
5- يصدر رئيس الجمهورية بالاشتراك مع رئيس الوزراء والوزراء المختصين المراسيم التي يقرها مجلس الوزراء. وفي حال امتناع رئيس الجمهورية عن اصدارها يجري اعتماد المبدأ بأن كل مرسوم يوقعه رئيس الوزراء يكون نافذاً خلال مدة معينة.
6- يحق لمجلس الوزراء المنعقد في حضور رئيس الجمهورية ان يتخذ مراسيم تنظيمية لا تتجاوز اموراً محددة في الدستور وتصبح هذه المراسيم نافذة بعد ان يوافق عليها ثلثا اعضاء مجلس الوزراء.

جـ- على صعيد السلطة القضائية:

1- الانطلاق من مبدأ تحقيق الاستقلال التام للسلطة القضائية عن باقي السلطات.
2- جعل مجلس القضاء الاعلى المرجع الوحيد لتعيين القضاة ونقلهم وترفيعهم وانهاء خدماتهم وتعيين جهاز معهد للقضاء والاشراف الفعلي على اعماله، وحصر صلاحية وزير العدل بتوجيه النيابات العامة، وتخويل مجلس القضاء الاعلى صلاحية اقتراح القوانين والانظمة الآيلة الى رفع مستوى القضاء واعطائه حق الطعن بدستورية القوانين والانظمة امام المحكمة العليا الى جانب المتضررين من اشخاص القانون العام والاشخاص الطبيعيين.
3- اختيار اعضاء مجلس القضاء الاعلى بالاقتراع السري المباشر من قبل افراد الجسم القضائي مرة كل سنتين.
4- انشاء محكمة عليا لمراقبة دستورية القوانين.
5- انشاء محكمة خاصة لمحاكمة الروساء والوزراء.
6- حصر صلاحية المحاكم العسكرية بالجرائم المرتكبة من العسكريين وربط القضاء العسكري بالقضاء العدلي وتحديد اختصاصه وتنظيم مشاركة العسكريين في هيئاته واجهزته. وحصر عمل المحاكم العرفية والميدانية في حالة الحرب فقط.
7- اعطاء حق الطعن بدستورية القوانين لكل مواطن، واعطاء كل مواطن حق اقامة الدعوى اما المحكمة المختصة بمحاكمة المسؤولين بالمخالفات التي ارتكبها هؤلاء او يرتكبونها ابان ممارستهم للاحكام. بما في ذلك جريمة الاثراء غير المشروع . ويكون للادعاء العام العادي الصلاحية ذاتها في تحريك الدعوى.
8- وضع قانون مدني اختياري للاحوال الشخصية.

4) اصلاح الادارة

1- اعادة تنظيم الادارة لتبسيط اجهزتها وضمان فعاليتها ونزاهتها وتنفيذ قانون الاثراء غير المشروع بين جميع القائمين بخدمة عامة من سياسيين وموظفين.
2- احداث امانة عامة تقنية وادارية من ذوي الاختصاص التقني والاداري الى جانب كل وزير لمعاونته في توجيه الحكم في وزارته وتنفيذ المخطط العام الموضوع لاجل ذلك.
3- اناطة تعيين جميع موظفي الادارات والمؤسسات العامة بمجلس الخدمة المدنية، باستثناء المديرين العامين وامناء سر الدولة والسفراء وقادة وضباط وافراد القوات المسلحة.
4- انشاء هيئة للرقابة العليا من رؤساء مجلس الخدمة المدنية وادارة التفتيش المركزي وديوان المحاسبة، مهمتها رفع كفاية الادارة وتطوير تنظيمها وتطهيرها سنويا من العناصر الفاسدة.
5- الزام الادارة بتنفيذ القرارات القضائية لمجلس الشورى تحت المسؤولية الشخصية للوزير.

5) اعادة تنظيم الجيش:

ان اعادة النظر باوضاع المؤسسة العسكرية ، والتي باتت ضرورة ملحة لتعزيز الديمقراطية وتقوية الدفاع الوطني ، تتطلب ادخال تعديلات اساسية على تنظيم الجيش باتجاه:

1- حصر مهمته بالدفاع عن حدود لبنان واستقلاله الوطني والاضطلاع بسمؤوليته القومية حيال القضية الفلسطينية والقضايا العربية، ومنع زجه في قضايا الحكم والشؤون الداخلية للبلاد.
2- خضوعه كليا للسلطة السياسية، وخضوع قيادة الجيش لسلطة وزير الدفاع الوطني المسؤول عن تنفيذ المهام العامة للوزارة .
3- ازالة القيود الطائفية والفئوية التي تحول دون فتح باب التطوع في الجيش والانتساب اليه امام جميع اللبنانيين دون تمييز، والغاء الطائفية في مجال التنظيم الداخلي للجيش.
4- انشاء مجلس دفاع اعلى يرأس اجتماعاته رئيس الجمهورية ويتكون من : رئيس مجلس الوزراء، وزير الدفاع ، وزير الخارجية، وزير الداخلية، وزير المالية ، وزير البريد والبرق والهاتف، قائد الجيش، رئيس الاركان. يتولى مجلس الدفاع الاعلى تحديد السياسة العسكرية للدولة وتحديد وجهة استخدام الجيش واعداد خطط الدفاع والتعبئة والاشراف عليها،وتحديد دور مختلف مؤسسات الدولة والقوات المسلحة في مهمات الدفاع الوطني.
5- انشاء مجلس قيادة من : قائد الجيش، رئيس الاركان، قادة الاسلحة ، والمفتش العام ، يتولى مجلس القيادة صلاحيات اقتراح: ترقية الضباط ، والدورات الدراسية ، والمكافآت والاقدمية، وتشكيل مجالس التأديب ومجلس الامتحانات. ويقدم اقتراحاته بهذا الخصوص لوزير الدفاع. ويعود له حق البت بترقية الرتباء والافراد.
6- يجري تعيين قائد الجيش، ورئيس الاركان ، وقادة الالوية، وقادة المناطق العسكرية ، وقادة الاسلحة، ومديري وزارة الدفاع، ورؤساء المحاكم العسكرية ، وقادة المدارس والمعاهد العسكرية، بمراسيم تصدر عن مجلس الوزراء وفقاً لاقتراح وزير الدفاع الوطني.
7- تحصر صلاحيات قائد الجيش بالقيادة المباشرة لهيئات اركان الحرب وقوى الجيش البرية والجوية والبحرية والالوية والوحدات المقاتلة. ويضطلع بمسؤولية العمليات الحربية واعداد القوى المسلحة للقيام بالمهام الموكولة اليها.

6) تعزيز الحقوق والحريات الديمقراطية والعامة

1- تطوير مفهوم الحقوق والحريات الديمقراطية والعامة في الدستور والقوانين بحيث يشمل الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للمواطنين.
2- اعتبار شرعة حقوق الانسان بمثابة قانون لبناني وتعديل القوانين غير المتلائمة مع بنودها.
3- ازالة كل اشكال التمييز في معاملة المرأة على جميع الاصعدة، وتحقيق مطالب الحركة النسائية الديمقراطية في هذا المجال.
4- وضع قانون ديمقراطي يطلق حرية تشكيل الاحزاب والنقابات والجمعيات والاندية من كل قيد سياسي ترسيخاً للحريات العامة.
5- اقرار هيكلية ديموقراطية للعمل النقابي تضع حداً لواقع التشتت الراهن الذي تعانيه الحركة النقابية وترسي التنظيم النقابي على اساس قطاعي يعزز اتجاهه نحو الوحدة.

6- اعطاء الموظفين حق التنظيم النقابي.
7- اصدار تشريع يحدد حالات التوقيف الاحتياطي وحدوده ضماناً للحريات الشخصيةـ والغاء مبدأ التوقيف الاحتياطي بالنسبة للصحف وللجنح.
8- الغاء القيود التعسفية المفروضة على حرية النشر وخصوصاً لجهة فرض الموافقة المسبقة لأجهزة الامن على اصدار النشرات.
9- تعديل قانون تنظيم الصحافة لجهة ازالة النصوص والقيود اللاديمقراطية التي تحد من حريتها، وايجاد الوسائل الكفيلة بتحريرها من الارتهانات المالية والتجارية التي تشوه دورها السياسي كأداة اعلام للرأي العام الشعبي.
10- وضع قانون عصري للجنسية يكفل اعطاء الجنسية اللبنانية لمستحقيها بمعزل عن اي اعتبار عنصري او فئوي او سياسي.
11- جعل حق السلطة التنفيذية في اعلان حالة الطوارئ محصوراً بحالة الحرب واقتصارها على وضع المرافق في خدمة الدفاع الوطني دون مساس بالحريات العامة الاساسية.

7) الدعوة لانتخاب جمعية تأسيسية:

ان الصيغة الافضل لتنظيم عملية الوصول الى هذا الاصلاح الديمقراطي للنظام السياسي تكون بالاحتكام الى ارادة الاكثرية الشعبية عبر دعوة اللبنانيين الى انتخاب جمعية تأسيسية من مئتين وخمسين عضواً على اساس لا طائفي يمثلون مختلف التيارات السياسية والتجمعات الشعبية في البلاد لتقود حواراً وطنياً واسعاً بشأن الاصلاح المقترح ولتضع التشريعات الدستورية والنظامية اللازمة لوضعه موضع التنفيذ.
تبقى قضية اخيرة لا بد من الاشارة اليها هنا، وهي ان الاحزاب والقوى الوطنية والتقدمية قد كلفت لجنة مختصة من بين صفوفها مهمتها استكمال وضع نصوص المشاريع القانونية التطبيقية لهذا البرنامج المحلي: مشروع الدستور المعدل ، ومشروع قانون الاحزاب والجمعيات، ومشروع قانون الانتخاب، وغير ذلك من مشاريع القوانين التي سوف تنجزها اللجنة المذكورة لتشكل بالنتيجة الملاحق التطبيقية لمفصلة لهذا البرنامج العام.
ان الاحزاب والقوى الوطنية والتقدمية اذ تطرح برنامجها المرحلي هذا من اجل اصلاح ديمقراطي للنظام السياسي، مؤكدة بشكل خاص على ما يتعلق منه باصلاح التمثيل الشعبي الذي هو مفتاح كل اصلاح سياسي في هذه المرحلة من تطور لبنان، تدعو الجماهير اللبنانية الى التكتل حول هذا البرنامج والى شن نضال طويل النفس لتحقيقه بارادة الاكثرية الشعبية التي لا نشك بوقوفها القاطع الى جانب هذه الدعوة الى التغيير عن طريق بناء لبنان عربي وطني ديمقراطي جديد.
(موسوعة مسيرة الشهيد كمال جنبلاط – المجلد الثالث – صفحة 305 - 313)

المقال الاخير لرائد الاصلاح في لبنان

هذا المقال اعده كمال جنبلاط صبيحة استشهاده كافتتاحية لعدد الابناء الذي لم يصدر في ذلك اليوم

( 16 اذار 1977) وكان موضوعه عن الاصلاح ، وهذا نصه :

ربً اشهد
انني بلغت


الاصلاح هذه المرة – ونعني اصلاح النظام السياسي واصلاح النظام الاقتصادي – يجب ان يكون جذرياً والا تسبب لنا في المستقبل القريب او الوسيط بنتائج المحن والويلات ذاتها.

ونعني بالاصلاح السياسي ، البرنامج المرحلي الذي وضعه الحزب التقدمي الاشتراكي وأقرته الاحزاب المنضوية فيما اسموه بالحركة لوطنية. وحيث ان هذا البرنامج هو الوحيد على صعيد الفكر السياسي اللبناني فيجب ان يعتنقه ويؤيده جميع رجال السياسة من الصف الوطني ومن الزعماء التقليديين والمتجددين ليكون للجميع، جميع المطالبين بالاصلاح السياسي مبادئ واحدة ومجرى واحد في الطلب ، فيستطيعون ان يواجهوا الفريق الاخر بصف متوحد ، وباهداف واحدة، ويتمكنوا، آنذاك، من انتزاع حقوقهم اي: حقوق هذا الشعب الوطني ويحصلوا على ما يهدفون اليه.

لأنه يجب الاعتراف بكل تواضع، ولكن بكل صوابية، انه خارج الحركة الوطنية لا يوجد فكر سياسي متناسق وواضح، اي خارج البرنامج الذي وضعه الحزب التقدمي الاشتراكي وايدته جميع الاحزاب. من هنا تنطلق الجبهة العريضة الحقيقية لأن الناس لا يجتمعون على مطالبة الا اذا توحدت اراؤهم وتلاقت اهدافهم.

اننا نناشد جميع اخواننا الزعماء السياسيين في بيروت وفي طرابلس وفي بعلبك وفي الجبل وفي الجنوب وفي البقاع والشمال، بأن يدعوا جانباً من خلافاتهم وتحزباتهم وارادة الظهور ، وان يلتقوا معنا على رأي واحد وعلى نهج واحد، لان تضحيات هذا الشعب كانت جسيمة جدا ، لا تقل عن عشرات الالاف من القتلى والجرحى، وحرام علينا جميعاً ان ندع هذه التضحيات تذهب عبثا وتحصل سدى. فكما وحدة الفريق الاخر جبهته فعلى الفريق الوطني ان يوحد جبهته بدروه، وفي اسرع وقت ممكن ، والا ضاعت منا جميعا ثمرة هذا النضال الذي كان للحزب التقدمي الاشتراكي ولاحزاب لبنان وشخصياته الوطنية ان خاضته بدون تحفظ وبدون خشية، لاجل تقويم الاعوجاج القائم في المؤسسات والغاء جميع الامتيازات ولنترك جانبا جميع ما تعودناه من مناهج خاصة لبعض السياسيين والتقاءات ومراضاة واستدراج وتوسلات ونداءات ومناشدة على الطريقة التقليدية القديمة غير الذات جدوى، وليثق بنا هؤلاء الزعماء وهذه الشخصيات الوطنية ، وليثقوا بنهجنا وبافكارنا السياسية ، فنستطيع ان نحقق لهم ما لن يتمكنوا بواسطة اساليبهم القديمة ان يحققوه.

فالى الطريق الواحد، ايها الاخوان والى المنهج الواحد، والى البرنامج الواحد، والى الجبهة العريضة الواحدة، ولكن البداية والمنطلق هو الالتقاء على برنامج الحركة الوطنية للاصلاح السياسي. فليكن لنا جميعا شيء من التواضع فنقبل ان نتبنى افكار بعضنا البعض وآراء بعضنا البعض ، ونبتعد عن الحساسيات الشخصية، ولو كان هناك برنامج واحد لزعيم سياسي واحد يصيب الهدف ويقصد الاصلاح لكنا نحن قبلنا به، ولكننا ويا للاسف امام فراغ... اذا ما استثنينا برنامج الحركة الوطنية .اننا نشدد على هذا اللقاء في تأييد برنامج الحركة الوطنية السياسي، وان ارواح شهدائنا ونضال ابطالنا وآلام جرحانا ستقتص من كل من يتصرف على رأسه وينصاع لحساسيته، ويرفض القبول بهذا البرنامج السياسي الموجود وحده في الميدان كوجود "حديدان".

وبعد فان نصحنا فعن اخلاص وعن رؤية واضحة للامور، وان انذرنا فعن اخلاص لأننا نرى الاشياء كما هي، ولا نرى الثعلب نمراً ولا النمر ثعلباً، انما الموضوعية هي التي تفرض علينا هذا القول وهذا الموقف ، والتجرد رائدنا فليس لدينا في كل ذلك اية غاية شخصية او حزبية.

"رب اشهد انني بلغت".

(موسوعة مسيرة الشهيد كمال جنبلاط – المجلد الثالث – صفحة 235 - 237)
كمال جنبلاط ... والتواصل مع الناس
أدرك كمال جنبلاط المفكر، والسياسي، والمناضل اهمية التواصل مع الناس لشرح افكاره ، وعرض آرائه، والاضاءة على تطلعاته ومشاريعه الاصلاحية ، ومواقفه السياسية والنضالية.

ومن اجل ضمان نجاح هذا التواصل في اداء الدور المطلوب منه، اعتمد كمال جنبلاط عدة وسائل، هذه ابرزها:

1- الصحافة

في افتتاحية له لجريدة الانباء بتاريخ 5/10/1973، تحدث كمال جنبلاط عن اهمية الصحافة ، فكتب:

" ان الصحافة هي من الشؤون الخطيرة جداً في حياة الامم، لأنها تسهم باستمرار في تكوين الرأي العام الذي هو منطلق وقاعدة النهج الديموقراطي الصحيح. " وحدد دورها: " ويجب ان تكون اداة للتعبير المسؤول والرصين والصادق، لانها التاريخ بتفاعله مع الاحداث. ويفترض ان تكون اداة لنشر الفكر السليم، والاتجاه السليم، وتعميق مفهوم المسؤولية ، وليست اداة تجارية للربح، وما يجره الربح الرأسمالي من ارتباط بالخارج، ومن تشويه للاخبار ، ومن تضليل ينعكس تبديلاً للحقيقة ، واداة للاثارة ، وتحويل الخبر البسيط الى خبر مثير او مقلق . كما رسم الطريق التي تضمن للصحافة القيام بدورها المطلوب منها، وكتب : "في رأينا، ان صحافة لبنان لا تصبح حرة الا اذا وضعت التشريعات التي اشرنا اليها مراراً حول الاستقلال الذاتي للصحيفة، ومراقبة الموارد ، والتشديد على صحة الاخبار بالعقوبات الرادعة، وتحرير الصحافة من الاعلان التجاري وتأثيره، وتصبح الصحافة حرة عندما تنتقل ملكيتها من ايدي افراد الى هيئات نظامية في المجتمع، فتصبح معبرة واقعاً وفعلاً عن مصلحة جماعة ونشاط جماعة ، لا عن مصلحة افراد."

كمال جنبلاط الذي ادرك اهمية الصحافة ودورها، برز في عالم الصحافة كصحافي مميز، لاكثر من اربعين عاماً، وبلغات القرن العشرين الثلاث: العربية والفرنسية والانجليزية. عاش ادق تفاصيلها، وخبر اسرارها، وغاص في اعماق احداثها واساليبها.

وللدليل على دور كمال جنبلاط كصحافي نقدم هذه الارقام:

بلغ عدد المقالات التي كتبها ونشرها في وسائل الاعلام 1139 مقالة، نشر معظمها كافتتاحيات في جريدة الانباء الصادرة عن الحزب التقدمي الاشتراكي الذي كان كمال جنبلاط يرأسه.

عدد المقالات باللغة العربية 1031، منها 913 افتتاحية للانباء مقالات بالفرنسية والانجليزية 102 توزعت على 19 جريدة ومجلة لبنانية وعربية.

وعلى سبيل المثال نذكر انه خلال العام 1968 كان يكتب مقالين افتتاحين في الاسبوع لجريدة " المحرر" ، ومقالا لجريدة "اليوم" ، ومقالا بالفرنسية لجريدة "Le soir" اضافة الى افتتاحيته الاسبوعية لجريدة "الانباء".

2- تصريح الرئيس

كان لكمال جنبلاط اهتمام خاص بالتواصل مع وسائل الاعلام، فكان اعلاميا كبيرا لم يفوت حدثاُ دون ان يعلق عليه.

وكان يعقد المؤتمرات الصحفية للتعليق على الاحداث الكبرى، وتطور الامر في اواخر الستينات واوائل السبعينات الى حضور يومي في الصحافة اللبنانية على شكل تصريح او تعليق او مقال او مقابلة. وقد احصي له مثلا 1270 تصريحا واكثر من 300 خطاباً.

3- الندوات

اعتبر كمال جنبلاط الندوات وسيلة مهمة لنشر الثقافة والمعرفة. وكان ابرزها الندوات التي كانت تعقد في مركز الحزب في بيروت، وقد حرص على عقدها في ايام الاربعاء، ومن هنا تم تسميتها ندوة الاربعاء.وهذا التقليد اصرّت رابطة اصدقاء كمال جنبلاط على احترامه ومواصلة العمل به في ندوات الاربعاء التي تعقدها مرة كل شهر منذ تأسيسها في آذار 2010.

ندوات الاربعاء باشر كمال جنبلاط بعقدها منذ مطلع الخمسينات . وكانت تنظم حيناً، وتتوقف حينا اخر. وابرز فترات انتظامها ثلاث: الفترة الاولى عام 1954 ، حيث تناولت تاريخ الاشتراكية ومفهومها، وتحدث فيها : كمال جنبلاط، وعفيف شيخاني، وشكيب جابر، ادمون نعيم، موريس صقر، واميل طربيه.

الفترة الثانية 1961 – 1963، وتناولت الاشتراكية ومصادرها، التعاونيات، الاوضاع التقنية والروحية، التقدمية الاشتراكية ، والاديان، والواقع اللبناني.

الفترة الثالثة بدأت سنة 1969 واستمرت حتى سنة 1974، وتميزت بسلسلة احاديث لكمال جنبلاط حول الفلسفة الجدلية.

4- المحاضرات

كان لكمال جنبلاط حضور مميز في مجال المحاضرات منذ اواسط اربعينات القرن العشرين، وكانت له عدة محاضرات في مؤسسة الندوة اللبنانية كان ابرزها محاضرة " لماذا انا اشتراكي؟" ، كما في النادي الثقافي العربي ، واليسوعية والمقاصد الاسلامية.تناولت خاصة مواضيع الديموقراطية والاشتراكية والعلمانية والقومية دور الشباب والمثقفين في الوطن، .... الخ.

معظم هذه المحاضرات تولت الدار التقدمية جمعها وتصنيفها واصدارها في كتب للمعلم كمال جنبلاط.

5- الكتب

في احدى المقابلات الصحفية، وبمناسبة افتتاحه لمعرض للكتاب في طرابلس ، سئل كمال جنبلاط ماذا كنت لتفعل لو علمت انه لم يبق لك سوى يوم واحد في الحياة؟ فأجاب: " اقرأ اخر كتاب صدر استطيع الحصول عليه... " وهذا يعني الاهمية البالغة التي كان يوليها كمال جنبلاط للكتاب، كوسيلة للتواصل مع الاخرين، وكوسيلة لايصال فكره للاخرين. وبما ان فكر كمال جنبلاط كان غزيراً ومتنوعاً فقد حرص على تجسيد هذه الغزارة في نشره كتباً تناولت مختلف مواضيع الفكر السياسي والروحاني، والفلسفي، والصحي ، والتوجيهي ، والاقتصادي الى جانب عدة دواوين شعرية بالعربية والفرنسية.

ومن ابرز مؤلفاته : حقيقة الثورة اللبنانية سنة 1959 ، في السياسة اللبنانية ، اوضاع وتخطيط سنة 1961، ثورة في عالم الاسنان سنة 1965 ، ادب الحياة سنة 1970، مقدمة كتاب ربع قرن من النضال سنة 1974.

كمال جنبلاط والدعوة الى الاصلاح في المجتمع
كمال جنبلاط، في كل ما كتب، وفي كل ما اطلق من افكار، وارسى من نضال، كانت ثنائية الخبز والقيم ماثلة امامه على الدوام.

وهو القائل: " لابد من توفير الخبز للانسان، لكن هذا لا يكفي اذ لا بد من ان يكون توفير الخبز وسيلة لان تعمر نفس هذا الانسان بالقيم".

من هنا تأكيد المعلم الدائم على البعد الانساني والاجتماعي في نضاله. فالعمل على تأمين لقمة العيش والعلم والصحة للانسان، رأى فيها كمال جنبلاط اطاراً يجب ان يتيح لهذا الانسان تحقيق ذاته وانسانيته في مجتمع سعى المعلم جاهداً لاصلاحه.

كمال جنبلاط وزيراً كان ام نائباً ، ام قائدا سياسياً ، ام مفكراً ، هو هو ، نضال دائم من اجل الانسان ، من اجل الجماهير. لم يكن يتعاطى بقضايا الناس في لبنان بمجرد كلام العطف او التحريض والاثارة، بل كان يمسك بالوقائع ويبدع ويمارس الفعل، فيضع مشروعاً، او يبدع صيغة ، او يجترح فكرة. وذلك كله من اجل الناس في هذا البلد.

عندما كان وزيراً للاقتصاد، او للداخلية، او للاشغال، او للتربية، كان عهده يتميز بوضع المشاريع وملاحقة تنفيذها. اما خارج الحكم، وهي الفترات الاطول في نضاله فكان يعبر عن رأيه وافكاره ومشاريعه من خلال المهرجانات او الندوات الفكرية او المقابلات الصحفية ، او المقالات التي اطلق الالاف منها في الصحف، وكان فيها كلها يواجه مشاكل الوطن والمجتمع والناس في هذا المجتمع.

ومن مراجعة مواقف كمال جنبلاط، في مختلف مراحل نضاله، يتبين ان اصلاح المجتمع كان من الضرورات الملازمة لهذه المواقف. وكانت الدعوة الى الاصلاح في المجتمع حاضرة في كل البيانات والمطالبات الصادرة عن الحزب التقدمي الاشتراكي ، ام عن الجبهات النيابية والحزبية والشعبية التي شكلها او شارك فيها.

فالى ماذا دعا كمال جنبلاط لاصلاح المجتمع؟

من كتاب له عنوانه: " مختارات من اجل المستقبل " في الصفحات 50 الى 53، ننقل رؤية كمال جنبلاط للاصلاح الاجتماعي وتنظيم المجتمع في لبنان.

في تنظيم المجتمع:

1- العمل الاجتماعي الاجباري:

يكون اعتماد العمل الاجتماعي الاجباري امتداداً لاختيار مصلحة الانعاش الاجتماعي وتجربة بعض الاحزاب وفي طليعتها الحزب التقدمي الاشتراكي والهيئات، وسيلة لتهذيب المواطن اللبناني ولاعادته الى نطاق حياته الطبيعية.

2- في التعليم:

- تعميم التعليم الالزامي في المرحلة الابتدائية وتوسيع نطاق التعليم الرسمي الثانوي.
- احداث مصلحة لتوجيه التعليم الاساسي وللتخصص وفق حاجة البلاد للتنمية والتطوير.
- تأمين مجانية التعليم العالي للمتفوقين.
- تعميم المدارس المهنية خصوصاً في الارياف.
- توحيد برامج التعليم والكتب المدرسية، وتحديد الاقساط المدرسية واسعار الكتب.
- تعزيز الجامعة اللبنانية واستكمال فروعها وتأمين التعليم الجامعي باللغة العربية حيثما تفي اللغة بهذه الغاية.

3- الضمانات الاجتماعية والصحية:

- تحقيق الضمان الاجتماعي وتوسيع نطاقه بحيث يشمل العمال الزراعيين والفلاحين من الارياف وسائر الفئات الفقيرة والمتوسطة في المدن ويتناول ضمان العجز والشيخوخة والبطالة المهنية الموقتة.
- تعميم الهيئات الطبية في جميع انحاء البلاد لتفقد الحالة الصحية باستمرار.
- وضع قوانين صارمة تقي الصحة العامة من الغش في المواد الغذائية وتقوية اجهزة المكافحة.
- ايجاد حل سليم لمشكلة الادوية على ضوء التيارات المختلفة توصلاً لتأمين الدواء الرخيص لجميع المواطنين وخاصة بتأميم عملية استيراد الادوية ووضع رقابة فعالة على تعددها ونوعها واسعارها.

4- في العمل:

- تعديل قانون العمل بحيث يضمن سرعة الفصل في قضايا العمال.
- الغاء الفصل التعسفي واخضاع الفصل الى مجلس تأديبي من قاض رئيس وممثل عن المؤسسة المهنية وممثل عن عمال المهنة تختاره النقابة المختصة.
- انشاء نقابة واحدة لكل مهنة يجبر العاملون فيها على الانتساب اليها.
- توحيد اتحادات النقابات العمالية باتحاد واحد.

5- في الاسرة والقرية:

- تقوية فكرة الاسرة بالتشجيع على الزواج الباكر باسهام الدولة بتوفير مساعدة على الاقل لمدة معينة للعائلة الناشئة وتنظيم مسألة النسل وتنقيته.
- تنقية الجو الاجتماعي ومتابعة الحملة على الفساد والافساد والخلاعة التي اصبحت خطراً شديداً على حياتنا القومية وعاداتنا اللبنانية العربية السليمة وعلى معتقداتنا ومجتمعنا.
- اعتبار الطبابة والصيدلة والمحاماة مهنة اجتماعية ومسؤولية اجتاعية وتنقيتها من الفوضى والتصرف الاعتباطي والاستغلال الفردي فلا يمارسها الا الاكفاء خلقياً ومسلكياً ومقدرة.
- تنظيم اساليب الترفيه والتسلية البريئة للشباب اللبناني بشكل يوحي بالنشاط والفضيلة ويبعد المواطن عن مفساد المدنية الزائفة وانجذاباتها، وتنقية جو السينما والتلفزة.
- اعادة التوازن بين سكنى القرية والمدينة بنهضة منهجية بالقرية تتحقق بتشجيع الحرف المحلية وتفريق الصناعات على مختلف المناطق ولاسيما المتخلفة منها وتنمية المرافئ والمدن الاخرى الداخلية.
- متابعة سياسة انعاش الارياف بانشاء الطرق وتأمين الماء والكهرباء وتسليم ادارتها الى البلديات او اللجان المحلية وتقوية وصاية ممثل الدولة عليها.
- توفير الاعتمادات لانشاءات سكنية في المدن والارياف تقوم على قاعدة توفير المواد الاولية او الارض وتقضي على الحرمان والتخلف السكني المتفاقم عملاً بمبدأ "كل مواطن مالك بيته".
- تشجيع البناء بالحجر وفق التصميم الشرقي حفاظاً على طابع البلاد السكني واستصدار تشريع لاجل ذلك.

6- السجون:

- اصلاح السجون اصلاحاً شاملاً يشمل البناء والنظام والمعاملة فتحتفظ السجون بطابع العقاب وتكون في آن واحد وسيلة للعلاج من داء اجتماعي ونفساني عن طريق التأديب والتثقيف الروحي والرعاية الطبية والاجتماعية.
- انشاء مصانع للسجون توفر للسجناء تعلم الحرف والاكتساب منها.
- تعميم اصلاحيات الاحداث على اسس تربوية.

كمال جنبلاط العربي
1- نظرته للقضايا العربية
آمن كمال جنبلاط بالعالم العربي، وبالقومية العربية، وبالامكانات المتوفرة للعرب لتقرير مصيرهم بأنفسهم، وطالب العرب بتوحيد كلمتهم ومواقفهم في وجه الاطماع الخارجية الاستعمارية والصهيونية. وساند جميع الحركات العربية النضالية ووجه انتقادات لاذعة للانظمة العربية المتقاعسة عن تطوير مجتمعاتها. ودعا لاقامة وحدة عربية فدرالية على اسس التعددية التي تحترم الخصوصيات الدينية والثقافية والحضارية. الهمّ العربي رافق كمال جنبلاط طيلة مسيرته النضالية حتى استشهاده سنة 1977. كما استطاع ان يفرض نفسه قائداً بارزاً من قادة العرب يحظى باحترام كبير لدى الشعوب العربية. وللتدليل على هذه المكانة نستعين ببعض ما قيل فيه في ذكرى استشهاده:
- سفير الكويت في لبنان عبد الحميد البعيجان قال عنه: "كمال جنبلاط كان رجلاً من رجال العرب الذين لا يتكررون الا نادراً."
- الامين العام لمؤتمر الشعب العربي عمر الحامدي قال: "اننا لنفتخر حقاً ان يسقط مثل هذا الزعيم في الخندق الامامي دعماً للثورة الفلسطينية ، وتأكيداً لعروبة لبنان ولحق الامة العربية في ان تنتزع حقوقها من بين انياب الذئاب."
- اما الشاعر الفلسطيني سميح القاسم فوصفه على : "انه احد الرموز الشاهقة في التاريخ العربي المعاصر ، وهو بوصلة للروح العربية المعاصرة. وسيظل اسمه بيدقاً علماً خافقاً في سماء العروبة الى ابد الدهر."
- وقال عنه ممثل منظمة التحرير الفلسطينية ماجد ابو شرار: "ان كمال جنبلاط حر في ضمير كل ابناء الامة العربية الذين رأوا فيه على مدار سنوات نضاله، الفارس الممتشق، على الدوام، القلم يكتب من اجل الامة، والسيف يقاتل به ايضاً من اجل الامة."

2- مواقفه العربية:
I. من جامعة الدول العربية:
ايّد كمال جنبلاط المبادئ التي قامت على اساسها جامعة الدول العربية وفكرتها وميثاقها والرابطة القومية التي ولّدتها. واعتبرها الضمانة الوحيدة لتجمع الشعوب العربية في ادارة اقليمية للتعاون والتفاهم والتقارب والتخفيف من التناقضات العربية . انها اداة سلام وتحكيم بين الدول العربية . وانطلق من هذه المسلمات ليدعو الى تدعيم جامعة الدول العربية بثلاثة مشاريع رئيسية:
- مشروع المصرف الدولي العربي لانهاض البلدان العربية المتخلفة اقتصادياً او علمياً.
- مشاريع الاوتوسترادات العربية الكبرى وسكك الحديد لان المواصلات تقرّب اكثر مما يتصوره الانسان.
- مشروع الاتحاد الجمركي العربي.
- مشروع الجيش الدولي العربي على شاكلة جيش منظمة الدفاع الاوروبية.
(من البيان الرئاسي سنة 1957)

II. من العروبة والوحدة العربية
"انطلاقاً من الذهنية الجدلية العقلانية، نرى ان هذه المرحلة من تطور البشرية تقوم على التجمع البشري ، اي ان نزعة الوحدة تضم البشر وتصهرهم اكثر فأكثر.
وما الوحدة العربية سوى وحدة اقليمية تقوم بين شعوب دول ذات تراث واحد وتاريخ واحد، تتقارب في صلة توحّد نضالها بالنسبة الى مواجهة الاستعمار، ومشكلة الاغتصاب الاسرائيلي لأرض فلسطين العربية. هذا التجمع العربي لابد ان يتخذ في النهاية شكل الوحدة العربية. وربما تكون هذه الوحدة اقرب الى وحدة فدرالية يبقى فيها لكل شعب ميزته الخاصة في ما مارسه حتى اليوم من استقلال اداري وسياسي، وبعض ما علق به من العيش المستقل قرابة نصف جيل قيام الوحدة العربية حتمي في النهاية."
(ندوة في الشويفات بتاريخ 15/8/1968)

III. من القومية العربية:
"القومية، على العموم، هي وعي المتحد الاجتماعي البشري لوحدة تفاعله ووحدة تراثه وتميزه ومصيره، فالقومية، هي بالنسبة للمتحد الاجتماعي، كماهية الشخصية بالنسبة للانسان الفرد. وعلى هذا تشكّل الدولة تعبيراً تاريخياً عن هذا المتحد اذا تشخصت فيها نزعات وحدة التفاعل ووحدة التراث والتميز ووحدة المصير وارادة العيش المشترك.
وانطلاقاً من هذه الاسس الموضوعية الواضحة، واستناداً الى واقع تحرك الجماهير العربية يمفاهيم القومية العربية النامية والمندفعة بمستلزمات المصلحة الوطنية والاقتصادية المشتركة، وارتكازاً، الى التحليل التاريخي للمدارات والمحاور التي يمكن تحقيق الوحدة فيها، واعتماداً على ما تتضمنه هذه المدارات من تنوع ناجم عن التجزئة السياسية والانفراد في العيش المستقل فترة من الزمن، وضرورات اللامركزية والديموقراطية، نرى ان الشعوب العربية، ومنها شعب لبنان تنزع بطبيعة تكوينها الاجتماعي واعتمالات اتجاهات التطور الى تحقيق الوحدة فيما بينها. ان الاعتمال بالنهج القومي والتقدمي يستلهم مسالكه واساليب تكوينه وعمله من المبدأ الرئيسي للتطور وللابداع العام الذي أوحى بميثاق الحزب التقدمي الاشتراكي: التنوع ضمن الوحدة ."
(من كتاب "كيف يجب ان يعالج العرب قضاياهم"... ص 320)

IV. من القضية الفلسطينية
لقد رافقت القضية الفلسطينية كمال جنبلاط طيلة عمله الفكري ونضاله السياسي، وكانت انطلاقته من قناعة بضرورة توحيد الجهود العربية كمدخل اساسي لبدء معركة تحرير فلسطين. فهو آمن بأن القضية التي لا يتوفر لها كفاح ملتزم وثابت لا يمكنها ان تكسب الرأي العام فيلتفّ حولها ويدعمها، وان تنجح في المواجهة المباشرة مع العدو.
وقد احتلت القضية الفلسطينية حيّزاً كبيراً في فكر كمال جنبلاط واهتماماته، وفي قناعاته بضرورة النضال من اجل استعادة الكرامة العربية. ونظر الى قضية فلسطين على انها ليست فقط قضية الشعب الفلسطيني الذي وقع ضحية التواطؤ البريطاني – الصهيوني في ظل حال التخلف والانحطاط والتفكك العربي، بل اعتبرها قضية الانسان العربي التواق الى التحرر والتقدم والوحدة القومية.
وهذه بعض النماذج عن مواقفه من القضية الفلسطينية:
• "على الكيان الفلسطيني ان يبرز ويجمع شتات الوطن السليب، ويصبح دولة تتمثل في الامم المتحدة. وليأخذ الفلسطيني قسطه من النضال لاجل بلاده ، ولتتحول منظمة التحرير الفلسطينية الى حكومة فعلية ، فيصبح كل لاجئ جندياً مدربا لدخول اسرائيل واشعال نار الثورة فيها،وتقويضها من الداخل ، ولن تتحرر فلسطين الا بمساهمة ابنائها الفعالة في تحريرها."
(من كلمة القاها في نادي متخرجي المقاصد بتاريخ 15 ايار 1965)
• "ان اسرائيل – الدولة العنصرية الدينية – لا تستطيع ان تتوسع لانها بذلك تدخل ضمن كينونتها شعوباً تلتزم بقومية اخرى وبأديان اخرى، وتنضم الى مئات آلاف العرب الذين لا يزالون مقيمين في ارض اسرائيل، فيتقوّى الكفاح الداخلي، وينهار اطار الدولة والمؤسسة العنصرية المصطنعة."
(من تعليق له في ذكرى وعد بلفور سنة 1965)
• "ان مشكلة العدوان الاسرائيلي المتواصل على الاراضي والممتلكات الفلسطينية باتت تستدعي حلاً شاملاً للقضية الفلسطينية بأسرها. وهو خروج الشعب الفلسطيني من عزلته وممارسة حقه المشروع في الدفاع عن النفس وعن الارض. والحل النهائي السليم للصراع القائم في فلسطين هو في العودة الى النظاق التاريخي والتراثي لفلسطين، كما كان قائماً قبل وابّان الانتداب البريطاني، والغاء نظام الدولة العنصرية الاسرائيلية، لصالح دولة موحّدة تضمن العيش المشترك للمكوّنين اليهودي والعربي. "
(من مقالة له في جريدة المحرر بتاريخ 6/2/1969)

V. من الصهيونية:
"اذا شئنا ان نوضح القضية الصهيونية على تمامها لابد ان نذكر ان الصهيونية في اساسها وفي جذورها وامتداداتها العالمية نظرية رأسمالية مادية قومية مستأثرة عدائية حقود. لقد كان لليهود اليد الطولى في تطوير النظام الرأسمالي وما آل اليه من استئثار داخلي وتنظيم طبقي، وتوسع استعماري خارجي. ولما نزعت الرأسمالية اليهودية الى تأسيس وطنها في اسرائيل. عملت على تصوير نزعتها لتأسيس الملك الزمني الموعود في قالب مفهوم القومية الصهيونية. فرأينا الصهاينة يطردون العرب من ارضهم فلسطين ضاربين بعرض الحائط مبدأ حق الشعوب في تقرير مصيرها."
(من مقالة له في جريدة الانباء بتاريخ 5/10/1951)

VI. من نكسة 1967:
"نجتمع في هذه السنة في احرج الظروف واقساها على العرب في مختلف بلدانهم، حيث قامت اسرائيل باجتياح بعض الاراضي العربية، والاستقرار فيها الى مدى غير محدود، وان تتحول الدول العربية الى حكومات شاكية على ابواب منظمة الامم المتحدة.
لقد حصل ما أسموه النكسة، واما اسبابها الرئيسية فهي:
1- انعدام التعاون ووحدة العمل بين حكومات البلدان العربية المجاورة لاسرائيل سياسياً وعسكرياً، وكأن العرب لم يتعلموا من التاريخ ان طريق الكفاح في مواجهة الخطر الاسرائيلي هو في الوحدة.
2- عدم تمكن الجيوش العربية من التعبئة العامة في مواجهة التعبئة العامة لشعب اسرائيل.
3- انعدام توفر الخطة الموحدة عسكرياً وتطبيقها.
4- تمكين اسرائيل من اختيار الظرف الزمني المناسب للهجوم قبيل الانتخابات الاميركية والحاجة لأصوات اليهود الاميركيين.
5- انعدام التنبه والنقض الكبير في الاستراتيجية العسكرية العربية، ومستوى التدرب.
6- استمرار التخلف نسبياً للتعليم العربي واسقاط اهمية تعلم اللغات الاجنبية من حساب العرب. "
(من البيان الرئاسي في العام 1967)

VII. من الطاقات العربية لحل القضية الفلسطينية:
"العرب يملكون طاقتين لا طاقة واحدة : طاقة "الطاقة المحركة" لصناعات العالم ومواصلاته، وطاقة "المال الهائل" المتدفق عليهم والذي يتعدى جميع حاجاتهم التطويرية والانمائية، ويمكن استثماره في خدمة القضايا العربية، وفي مقدمتها قضية استعمادة ارض فلسطين المغتصبة.
وبعد انكشاف المدى الواسع للطاقات العربية النفطية والمالية والعسكرية والسياسية الممكنة على صعيد العالم الثالث والامم المتحدة، اصبح من الضروري ان تتغير الاستراتيجية العربية العامة البعيدة المدى، بالنسبة للوجود الاسرائيلي ذاته، لا الاكتفاء بإنشاء دولة للفلسطينيين على جزء من ارض فلسطين. واننا نرى في اقتراح الدولة العلمانية الفلسطينية المشتركة خير طريق وخير اطار يجب ان يعتمده العرب والاصدقاء لحل المشكلة الفلسطينية اليهودية برمتها. ويصبح لهذا الاقتراح فعاليته القصوى اذا اقدمت الدول العربية على تحسين علاقاتها مع الدول في اوروبا والعالم الثالث، واذا نفذت سياسة اكثر فاعلية وواقعية في علاقاتها الخارجية."
(من البيان الرئاسي سنة 1974)

VIII. المواصلات البرية العربية ضرورة كبرى:
"منذ ما يقرب من عشرين سنة كان الحزب التقدمي الاشتراكي طالب بضرورة قيام جسر كبير من المواصلات البرية يجعل من الشطّ السوري اللبناني موضع استيراد وتصدير السلع والمنتوجات ، والمدن المرافئ القائمة على هذا الشطّ محطات مزدهرة تجارياً وخدماتياً، ليس فقط بالنسبة للشرق الاوسط فحسب، بل بالنسبة لدول آسيا الوسطى كأفغانستان وباكستان، وبالنسبة لدول جنوب آسيا والهند، بل حتى بالنسبة لمناطق غربي الصين. فنظرة عفوية الى الخارطة الجغرافية تظهر لنا كيف ان هذه الشبكة من المواصلات البرية يوفر سلوك ستة آلاف وخمسمائة كيلومتر في الطريق البحري حول شبه قارة الجزيرة العربية. هذه الشبكة تربط شمالاً مع تركيا وجنوباً بالاردن والسعودية، واليمن وامارات الخليج، وشرقاً بإيران وما وراءها.
واليوم ما زلنا نطالب بتنفيذ هذا المشروع المهم الذي سيضيف معنى آخر لموقعنا الاستراتيجي القائم على مواجهة ثلاث قارات، فنعزز ايضاً موقعنا السياسي بالنسبة للعالم كله."
(من البيان الرئاسي سنة 1974)

3- نضاله من اجل التحرر العربي والحق الفلسطيني:
انطلق كمال جنبلاط في نضاله العربي من مفهومه للقومية ولضرورة توحيد الحركات النضالية والثورية في العالم العربي، ووضعها بتصرف الامة العربية بهدف دعم اي حركة نضالية في اي من الدول العربية. فمنذ العام 1944، وفيما كانت المشاريع السياسية العربية تطرح لتأسيس جامعة الدول العربية، اكد كمال جنبلاط في مجلس النواب اللبناني على ضرورة التعاون مع البدان العربية في اطار جامعة الدول العربية، لان ذلك يتجاوب مع مصلحة لبنان الوطنية.
لقد آمن كمال جنبلاط بالقدرة العربية طوال مسيرته العربية النضالية الطويلة فقد دأب على تكرار النداءات الى توحيد الجهود العربية في سبيل المصلحة القومية. ودعم كل المحاولات التي حصلت في هذا المجال من حركة جمال عبد الناصر الى نضال السوريين والعراقيين والجزائريين والمغاربة واليمنيين والليبيين والتونسيين. وتألم كثيراً من نكسات العرب المتتالية في حروب 1948 و 1956 و 1967، ومن انفراط الوحدة السورية – المصرية.
لم يقتصر اهتمام كمال جنبلاط العربي على انظمة الحكم في الدول العربية، بل تعدى ذلك الى التطلع الى الشعوب العربية رغبة منه في دعم تحركاتها النضالية للتحرر من الاستعمار ولاقامة الانظمة التي تعمل لتحقيق رغبات هذه الشعوب وتطلعاتها من اجل غد افضل.
عارض كمال جنبلاط بشدة "حلف بغداد" واعتبره موجّهاً ضد مصالح العالم العربي وشعوبه (سنة 1958) كما عارض مشروع ايزنهاور للسيطرة على الشرق الاوسط (سنة 1957).
ولعل ابرز مجالات نضاله على العصيد العربي، كان دعمه الدائم للحق الفلسطيني، وللثورة الفلسطينية بكل ما أوتي من عزم وتصميم ، وناضل من اجلها، من اجل تأمين الاجواء الملائمة لعمل المقاومة انطلاقاً من لبنان ومن جبهات الدول المواجهة للعمل داخل فلسطين المحتلة. لقد آمن كمال جنبلاط بالعمل الفدائي وجدواه وفاعليته كونه يرهق الجيش الاسرائيلي ويقلق جماهير اسرائيل، ويفسد عليها نشوة النصر واحلام الطمأنينة والامان، ويحرّك الضمير العالمي، و يرفع معنويات الجماهير الفلسطينية داخل فلسطين المحتلة وفي مخيمات التشريد. وايّد حق الفلسطينيين بالعودة الى بلادهم وممتلكاتهم ، وبذل من اجل ذلك مختلف الجهود الممكنة على مختلف الصعد الفلسطينية والعربية والدولية.
وتوّج كمال جنبلاط نضاله من اجل الحق الفلسطيني بانتخابه اميناً عاماً للجبهة العربية المشاركة في الثورة الفلسطينية سنة 1970، واقامته ارتباطاً وثيقاً بين هذه الجبهة، وبين الحركة الوطنية اللبنانية التي قادها في عقد السبعينات من القرن الماضي، وحتى تاريخ استشهاده من اجل لبنان وفلسطين والعروبة في 16 آذار 1977.

كمال جنبلاط العربي
في عمله السياسي والنضالي، وفي نشاطه الفكري، انطلق كمال جنبلاط من معايير خلقية وانسانية جعلته لا يهادن احداً، في النطاقين العربي والاممي على حساب مبادئه. هذه المعايير اتاحت له ان يكسب احترام جميع القادة والحكام حتى الذين يعارضون آراءه ومواقفه. وقد برهن فعلاً انه لا يتبنى اية معركة شخصية او فئوية لهذا ضد ذاك، بل سعى دوماً عن طريق اعتماده الجدلية الفكرية الى حمل من يجادله على الاقتناع بصحة وصدق ما يقوله او يطالب به. ورغم انه كان في معظم مراحل عمله السياسي والنضالي، خارج السلطة، فانه استطاع ان يكون حاضراً وفاعلاً، في قمم بلدان العالم الثالث، منذ مشاركته في الاعمال التحضيرية في الهند لمؤتمر باندونغ، بالتعاون مع الرؤساء جمال عبد الناصر ونهرو، وتيتو، الى قيادته لعدد كبير من النشاطات المشتركة الاسيوية - الافريقية والاميركية اللاتينية، مروراً باختياره رئيساً للجنة تخليد الرئيس عبد الناصر ، وبانتخابه في هيئة رئاسة منظمة تضامن الشعوب الاسيوية – الافريقية.
في مختلف المجالات والمناسبات ، ومن على مختلف المنابر كان كمال جنبلاط يحمل روحيته الانسانية والاخلاقية، ويجعلها اساساً للعمل التضامني من اجل التحرر السياسي والاجتماعي والتضامن الاقتصادي ، ويجعلها اساساً لخوض الكفاح لتحرير ارادة الانسان اينما وجد وهو الذي آمن بالتكوّر الانساني ، وتطلّع دائماً الى مجتمع أممي اكثر عدالة واكثر انسانية.

مواقفه من القضايا الدولية:

1- من منظمة الامم المتحدة:
أيّد كمال جنبلاط قيام منظمة الامم المتحدة، على امل ان تشكّل أداة دولية للسلام فوق الصراعات، وقادرة على وقف الحروب وتحقيق السلام بين الشعوب، والقضاء على الاستعمار بكل اشكاله، وضمان حق الشعوب في تقرير مصيرها. ثم تبيّن له، من خلال عمل هذه المنظمة انها تفشل في ايجاد الحلول المناسبة للمشاكل الطارئة في مناطق مختلفة من العالم . ولهذا حرص في بياناته الرئاسية للجمعية العامة للحزب التقدمي الاشتراكي في سنة 1957 على المطالبة: "بضرورة تقوية منظمة الامم المتحدة، وتطويرها بإنشاء قوة دولية محترمة وفعّالة، وتشكيل هيئات للتعليم والتوجيه العام والغاء حق الدول الخمس الكبرى بالنقض (الفيتو) في مجلس الامن وتحويله الى مجلس وزراء لشبه اتحاد عالمي، وتوسيعه بحيث تضاف الى الدول الخمس الكبرى دول اخرى كالهند والصين الشعبية كأعضاء دائمين في المجلس." كما طالب بـ: "انشاء مجلس تمثيلي آخر الى جانب الجمعية العامة للامم المتحدة يضم مندوبين منتخبين عن شعوب وبرلمانات العالم، وفقاً لعدد مواطني كل دولة. واقامة هيئات مختلفة اقتصادية وعلمية وثقافية ودعائية ومالية وسواها، لتدعيم اوضاع التعاون الاقتصادي العالمي وانمائه، وتعميم المعلومات العلمية والثقافية."
(من البيان الرئاسي سنة 1957)

2- من السلم العالمي والاحلاف العسكرية:
لم يتوقف كمال جنبلاط، طيلة مرحلة نضاله، عن المطالبة بتحقيق السلم في العالم، على اسس التعاون والتكافل والتضامن والاحترام المتبادل. وكان له موقف ثابت من هذا السلم عبّر عنه بما يلي: "لضمان السلم العالمي الحقيقي نطالب بإلغاء الاحلاف العسكرية القائمة من هنا ومن هناك. والتخلي نهائياً عن فكرة الاستعمار والمستعمرات، والتدويل العالمي للقوة الذريّة، وانشاء رقابة دولية فعالة تضمن نزع السلاح الشامل للاسلحة الذرية والعادية على السواء.
ونرى ان السلم العالمي لا يتوطّد الا بتوسيع هائل لمجالات التبادل الاقتصادية، والتشابك الثقافي بين جميع الدول، وبإنهاء النزاعات الاقليمية القائمة في العالم اليوم كعوامل احتكاك دائمة (قضية فلسطين، كوريا، المانيا، الصين...) وايجاد حلول عادلة ونهائية لهذه النزاعات المزمنة، وانشاء سوق عالمية مشتركة لبعض المواد الاساسية. واعتماد مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، والتخلي عن سياسية القوة والنفوذ التي تمارسها الدول الكبرى اليوم..."
(من البيان الرئاسي لسنة 1957)

3- من الانظمة:
في مواجهة الحرب الباردة، والصراع القائم بين الانظمة السائدة في العالم ما بعد الحرب العالمية الثانية، كان لكمال جنبلاط الموقف الجريء التالي: "لا احد من الانظمة المتصارعة يملك الحقيقة المطلقة. لا الرأسمالية الاميركية او الاوروبية المتطورة تصلح لأن تشكل مثالاً، وحقيقة مطلقة، ونظاماً ابدياً منزلاً للعالم. ولا الماركسية الاشتراكية، ولا سواها من الانظمة. فهذه الانظمة كلها تنبثق من ظروف التاريخ والمجتمع والحضارة والانسان. ثم تسود وتتفاعل مع تطور هذه الظروف، ومع الحضارة ، ومع حقيقة الانسان. فتتطور هي من تلقاء نفسها، وتتعدّل وتقتبس وتتجدد. وهكذا، الى ما لا نهاية في حياة الشعوب ، ونمو الانظمة او اضمحلالها."
(من البيان الرئاسي لسنة 1965)

4- من الانفجار السكاني واختلال التوازن في الطبيعة:

اهتمامات كمال جنبلاط تجاوزت القضايا السياسية الى كل ما يشغل بال الانسان في هذا العالم، ويهدد مستقبله. وفي هذا السياق كان له من الانفجار السكاني في العالم هذا الموقف: "ان الواقع المتفاقم خطره، والمتمثّل بتكاثر البشرية بهذا الشكل المريع، واللامحدود، هو بحد ذاته تلوّث يؤدي الى اختلال توازن الطبيعة والاجناس النباتية والحيوانية، بما تقوم عليه من تضاد في وحدات من التكامل تغلفها وحدة تناسق الجماد والحياة الشاملة بدورها لكل مسار، ولكل كينونة، ليصحّ القول: تكاثرتم حتى زرتم المقابر.
هذا الحدث المتمثل بالانفجار السكاني هو مشكلة العصر، ومعضلة الحضارة والانسان. وآثاره الضارة والمهلكة تنجم عن مخالفة الانسان الحضاري لسنن الطبيعة التي تقضي بالانتشار المحدود لكل جنس على وجه الارض، فلا يستطيع الكائن البشري على كونه حيواناً عاقلاً، ان يتنكّر لهذه الشريعة نظراً لمحدودية الارض ذاتها وبالتالي محدودية مواردها. والعقل يأمر بالانضباط. ولذا، على الدول والشعوب والحضارات القائمة ان تلتزم بذلك، وان تبادر الى وضع تشريعات تمنع التوالد بما يفوق الطفلين او الثلاثة أطفال للعائلة الواحدة، حتى لو اقتضى الأمر اعتماد المنع القانوني وفرض العقوبة الجزائية . فقضية التوالد بدون حساب، ستصبح بل اصبحت عملياً جريمة الغد المقبل علينا."
(من البيان الرئاسي لسنة 1974)

5- من الحياد: بين الحياد الايجابي وعدم الارتباط
في مقالته لجريدة الانباء بتاريخ 22/3/1952، علّق كمال جنبلاط على مناداة الكثيرين في العالم بضرورة اعتماد الحياد الايجابي ، فكتب: "الحياد الايجابي ، في نظرنا، يجب ان يكون عدم الارتباط العسكري او السياسي بجانب احد المعسكرين في العالم من حيث هي معسكرات وتحالفات، لا من حيث هي مبادئ وانظمة وعقائد. بهذا المعنى يجوز القول به. ولكننا نفضّل عدم استخدام هذه العبارة لأسباب كثيرة منها:
- ان جميع الذين دعوا لقيام الجبهة العالمية الثالثة، ونحن منهم، لم يتحدثوا ابداً عن الحياد الايجابي، بل عن عدم الارتباط العسكري والسياسي.
- لاحياد بالنسبة للحرية والحق، فالحرية والحق فوق مستوى الاوطان ، وفوق مستوى السياسة لأنهما هدف كل نشاط بشري رفيع.
- الحياد موت وعقم وبوار، اما الحياة فتفاعل دائم، فوران متصل للخلايا، يموت بعضها لينمو ويحيا بعضها الاخر. الجماد وحده حياد وجمود، فيما الحياة نضال متواصل... واشتراك دائم في الحركة.
- هناك تناقض اساسي في عبارة "الحياد الايجابي " ذاته: فكيف يكون الانسان حيادياً – اي متفرّجاً – وايجابياً في الوقت ذاته. الحياد سلبي بحد ذاته ، فيما الايجابية مشاركة وفعل ومساهمة. ونحن، مثلاً، لا نسطيع ان نكون حياديين بالنسبة للاستعمار، او بالنسبة للحرية، او بالنسبة للطغيان، او لاسرائيل المغتصبة لأرض فلسطين.
لذا، نحن ندعو الى ممارسة سياسة عدم الارتباط، واعتماد سياسة التعاون مع الجميع انطلاقاً من ارتباطنا بمثال الحرية والعدالة والحق ، ومن مصالحنا الوطنية."

6- الرأي العام العالمي يريد:
إبّان ازمة الصواريخ بين الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة في كوبا والتهديد بنشوب حرب عالمية جديدة، أفرد كمال جنبلاط افتتاحيته لجريدة الانباء بتاريخ 9/7/1960 ليحدد ما يريده الرأي العام العالمي ويطالب به، فكتب: "الرأي العام العالمي يطالب اليوم بنزع السلاح، أشاء الاستعمار الاوروبي ام لم يشأ، أشاءت الولايات المتحدة الاميركية ام لم يشأ اقتصادها وشركات بترولها الموجهة الآن الى انتاج الحرب، اوضعت روسيا المشروع الملائم لنزع السلاح ام لم تضع. والرأي العام العالمي يطالب بالسلام، وبالمساواة بين الشعوب، وبإزالة رواسب الاستعمار والنفوذ الاجنبي، وبتكريس موازنات الحروب لرفع مستوى جميع البلدان المتخلّفة ولترقية العالم. كما يطالب ويطلب من كل شعب من شعوب العالم اليوم ان ينتهج سياسية التضامن والتعاون لأن العالم اضحى واحداً اليوم مهما تجاهل وتعامى المكابرون."

مساندة حركات التحرر في آسيا وافريقيا واميركا اللاتينية

واكب كمال جنبلاط الأحداث التي شهدها العالم في الحرب العالمية الثانية وما أعقبها من حركات تحرر وثورات قامت بها شعوب كثيرة للقضاء على الاستعمار بمختلف اشكاله، وانتصر بكل ما لديه من قوة الكلمة وصلابة الموقف ، لحق الشعوب في تقرير مصيرها، وبناء دولها المستقلة، خاصة في قارات آسيا وافريقيا واميركا اللاتينية.
ومن اطلالاته البارزة في مجال الدفاع عن حقوق شعوب هذه القارات مشاركته بتااريخ 7/4/1955 في مؤتمر انعقد في الهند لهذه الغاية، والقائه كلمة بإسم الوفود العربية المشاركة في المؤتمر، جاء فيها: "آمل ان يكون هذا المؤتمر المنعقد في الهند مفعم بروح التوحّد وبروح الانسانية المستمدة من روح هذا البلد القديم الجديد في الحضارة والمدنية والرقي. ان المعاهدات العسكرية ايا كانت، تبقى منحرفة عن حقيقة الانسان وتطلعاته، وستكون سبباً مباشراً لتهديد السلام العالمي. علينا نحن الآسيويين ان نكون حذرين ويقظين من ان نقع في الخطأ وننشئ معسكراً جديداً لمواجهة المعسكرين القائمين، بل الأجدى ان ننشئ مؤسسة دولية تجمع دول آسيا وافريقيا لترعى وتنمّي التفاهم بين شعوب هاتين القارتين. وباعتقادي انه اذا عمّ السلام في آسيا وافريقيا، سيعمّم ويجتاح العالم كله، خاصة وان اتساع الدول الاسيوية الذي يضم اكثر من نصف سكان العالم، هو ضرورة لتجنّب الحرب ، واشاعة السلام".
ان التدخل الاجنبي يظهر، بطرق مباشرة او غير مباشرة في آسيا وافريقيا، في الشؤون الاسيوية والافريقية، ولذا فان التكتّل الاسيوي – الافريقي ضروري لمواجهة هذا التدخل:
وفي 11/11/1960، ترأس كمال جنبلاط مؤتمر تضامن شعوب اسيا وافريقيا الذي انعقد في بيروت ، وخاطب المؤتمرين قائلاً:"نحن نستقبلكم اليوم في بيروت بإسم شعب لبنان العربي وبإسم اللجنة الوطنية للتضامن الاسيوي – الافريقي ، على امل ان تتأكدوا مثلنا، ان ما يشهده العالم اليوم من ارتباطات وعلاقات ومشاعر تنزع جميعها الى التوحد والانصهار والتعاون والتضامن.
انتم، ايها الاخوان، في هذا البلد المناضل، لكي نعمل معاً، ونناضل معاً من اجل حرية الشعوب، وحقها في تقرير مصيرها بحرية ، ومن اجل احترام الحق الدولي. وعلينا ان نرفع شعارات: آسيا للاسيويين، وافريقيا للافريقيين. وعلى هذا الاساس ، ستظل اصواتنا العالية ترتفع، وكفاحنا يتقوّى ويتساند لأجل تحرير فلسطين من مغتصبها."
وفي مقالة له نشرتها جريدة الانباء بتاريخ 20/2/1965، حمّل كمال جنبلاط الدول الكبرى مسؤولية تخريب الامم المتحدة ، واستمرار تفاقم الازمات في العالم، فكتب: "لقد بدأ منزلق الضعف والانهيار يدبّ في هيكل منظمة الامم المتحدة، يوم استطاعت الدول الكبرى ان تفرض على المنظمة الموافقة على انشاء دولة اسرائيل المغتصبة لفلسطين. ثم اخدت تتوالى الهزائم المعنوية على الامم المتحدة التي فشلت في ايجاد حلول للعديد من القضايا والازمات مثل: قضية كوريا، وتقسيم المانيا، والتدخل في الكونغو – الى محاصرة كوبا ومحاولات تخريبها، الى انقلابات دول اميركا اللاتينية، والتضييق على شعوبها ومنع تطورها، الى التدخل العسكري في مصر، الى حرب فييتنام، الى تمزيق جزيرة قبرص، الى رفض قبول الصين الشعبية في عضوية الامم المتحدة."
وعندما شارك في المؤتمر الخامس الذي عقدته منظمة تضامن الشعوب الاسيوية الافريقية ما بين 10و 14 كانون الثاني 1972 في القاهرة ، ألقى كمال جنبلاط كلمة جاء فيها: "ليس لي كلام كثير اقوله في هذا المؤتمر الذي شكّل افضل مناسبة للتعرّف على اوضاع الشعوب، ولابراز مشاكلها ، وما تعانيه في مواجهة التخلّف ومواجهة قضايا تنميتها ومصيرها.
واذا استثنينا بعض الشعوب القليلة ، وبعض المناطق الصغيرة من العالم، نرى ان ظاهرة الاستعمار الاوروبي القديم قد تقلّصت ، وبشكل حاسم تقريباً في كل مكان، فيما عدا جنوب وشرقي افريقيا، حيث تواجه الشعوب هناك بضراوة تشبّث الاستعمار البرتغالي بمستعمراته، وتقوم في عدد من الدول الافريقية مواجهة شرسة مع التمييز العنصري الذي خلّفه الاستعمار وراءه، وبعض نقاط قليلة في اميركا اللاتينية وآسيا وفي مقدمتها الاحتلال الصهيوني لفلسطين."

علاقات كمال جنبلاط العربية والدولية وزياراته
لى مدى ربع قرن من العمل السياسي، لم يقتصر نشاط كمال جنبلاط على لبنان ومعاناته ومحاولات تحقيق اصلاحات فيه، بل كانت له اهتمامات ونشاطات ومواقف واكبت كل ما كانت تشهده المنطقة العربية والساحة الدولية من احداث. شارك في العديد من المؤتمرات، وقام بزيارات للعديد من البلدان، ونسج شبكة كبرى من العلاقات مع العديد من القادة والمسؤولين العرب والاجانب. واستحق عن جدارة لقب الزعيم العربي والاممي، وحظي باحترام وصداقة جميع من التقى بهم حتى الذين كانوا يخالفونه الرأي او الموقف، لأن مواقفه تميزت بالصدق والترفع وسموّ الاهداف.

وهذا الان كشف لأهم زياراته ومشاركاته وعلاقاته:
• بين عامي 1937 و 1939، خلال دراسته في فرنسا أقام علاقات اجتماعية ومعرفية مع الآباء اليسوعيين، وتعرّف من خلال صديقه الدكتور غوديل على الاب تيلار دي شاردان ، واقام معه علاقة فكرية استمرت حتى بعد عودته الى لبنان.
• في حزيران 1954 زار الولايات المتحدة الاميركية ، وتعرّف بالسيد هاريس هاوفواد (Harris Hawfoad) صاحب النظريات الاشتراكية المتطورة. وقد علّق الشاعر المهجري اللبناني ايليا ابو ماضي على الزيارة بالقول: "ليس الاحتفاء بكمال جنبلاط لكونه نائباً في البرلمان اللبناني، ولا لانه سليل بيت عريق، ولا لأنه رجل ادب وعلم، بل يحتفى به ويكرّم لأنه رمز لفكرة اصلاحية نبيلة ولانه ضحى الكثير من راحته وماله ووقته في سبيل هذه الفكرة. ان الثائرين على الاقطاعية غير قلائل في بلادنا، ولكن كمال جنبلاط وحده الثائر الحقيقي."
• زيارة المملكة المتحدة البريطانية في 25/10/1954، واقامة علاقات صداقة مع الزعيم انورين بيفان.
• القيام بعدة زيارات للهند للالتقاء بحكمائها وزعمائها، او للمشاركة في مؤتمرات فيها، واقامة علاقات صداقة مع الزعيم نهرو، بدءاً من العام 1951 ثم 1953 و 1955 ، 1962..
• لقاءات عدة مع الزعيم جمال عبد الناصر، واقامة علاقات صداقة وثيقة معه وتحالف ونضال مشترك. وقد نقل السيد لطفي الخولي عن جمال عبد الناصر هذا الحوار: "في احدى استقبالات الزعيم الكبير جمال عبد الناصر للزعيم كمال جنبلاط في مطار القاهرة همس رئيس الوزراء المصري آنذاك بأذن ناصر "يا ريّس انت رئيس جمهورية وجنبلاط وزير ما تخلّي وزير الداخلية يستقبلو او حتى انا بدل سيادتك" فالتفت الرئيس ناصر الى رئيس وزرائه وأجابه بكل هدوء "دا المعلم كمال يا بني ، دا بفكرو وبعلمو لازم يكون من كبار القادة في الصين ولا حتى في الهند بس قدره يولد في لبنان دولة صغيرة ما تتحملش علمو وفلسفتو للحياة.. عشان كدة... وفاءّ لكمال حفضل استقبلو بنفسي" لأنه ما بيعرف الحُرّ الا الحُرّ" .
• ونقل عن كمال جنبلاط، في المقابل هذا الكلام : "ان اكثر ما نحبّ في عبد الناصر – علاوةّ على صداقتنا الشخصية التي لا تتزعزع – هو هذا الانسان الطامح الى الخير والفضل والحب والقوة المعنوية في الرجل على قدر اهتمامنا واكثر بالسياسي وبالمنظّم وبالقائد الاجتماعي وبالرائد القومي العربي الذي عرف ان يطبع هذه القومية ذاتها بطابع انساني."
(ورد في الصفحة 160 من كتاب "من اجل المستقبل")

• زيارة الصين سنة 1965 ولقاء مع الزعيم شوان لاي.
• زيارة الكويت سنة 1966 ولقاء مع اميرها صباح السالم الصباح.
• لقاء مع الرئيس السنغالي ليوبولد سنغور، ايار 1966.
• لقاء مع الزعيم الهندي نهرو في بيروت ، ايلول 1961
• عدة زيارات ولقاءات مع زعماء الاتحاد السوفياتي : 1964، 1971، 1973
• لقاء مع الرئيس اليوغوسلافي تيتو في 13/3/1969
• زيارة المملكة العربية السعودية في 1/5/1974 ولقاءات مع الامير عبدالله والملك فيصل، ثم مع الملك فهد في 8/1/1976
وبعد اللقاء قال الملك فيصل للأمير عبدالله: "انا اريد ان اشكرك لانك اتحت لنا فرصة اللقاء بالشيخ كمال جنبلاط الذي أتحفنا بعمق معرفته وثقافته، وأثار فضولنا بمدى جرأته وصدق مواقفه... ارجو ان توفروا له الامكانية لزيارة المملكة دائماً، وان تكون العلاقة معه مستمرة ومتطورة، ونلتقي به ونستفيد من علمه ومعرفته وثقافته."
• على العموم، واضافة الى ما تقدّم، زار كمال جنبلاط العراق، سوريا، الجزائر، اليمن، ليبيا، الاردن، فرنسا، رومانيا، المانيا الشرقية، واقام علاقات مع زعمائها، واستطاع ان يكتسب سمعة عربية ودولية باعتباره احد رجال الفكر ومن قادة حركات التحرر في العالم.